تلك هي النتيجة المنتظرة لفشل الحوار الفلسطيني - الفلسطيني ، فالرئيس محمود عباس الذي تقف وراءه حركة فتح وقوى أخرى ، ورئيس الوزراء اسماعيل هنية الذي تقف وراءه حركة حماس ، هما اليوم وجها لوجه في خلاف واضح وصريح وأساسي ، يعكس التناقض بين ما تقتضيه المسؤولية السياسية المفروضة على رئيس السلطة الوطنية ، والالتزام العقائدي الذي لا يستطيع رئيس الوزراء التراجع عنه.
لقد وصل الطرفان نقطة اللاعودة ، والشيء الوحيدة الذي يمكن أن يمنعهما من الصدام هو معرفتهما المسبقة بأنهما سيسقطان معا في الفخ الإسرائيلي وينهار كل شيء أي السلطة وحماس ، وستحكم الفوضى والضربات الإسرائيلية الموقف لفترة طويلة ، ومع ذلك فقد يجد العقلاء المخلصون فرصة لمنع الوقوع في المحظور.
ليس صحيحا أن خطاب اسماعيل هنية هو النقطة التي فاض بسببها الكأس ، فالكأس ملآنة بما فيه الكفاية لكي تفيض بالأسباب الأمريكية التي سعت إلى تحويل المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية إلى مواجهة فلسطينية فلسطينية ، وبالأسباب الإسرائيلية التي جعلت الموقف الفلسطيني عاجزا عن معالجة مشاكله وتنظيم بيته كي يخرج الجميع من المعادلة فتعزز ادعاءها المتكرر بأن الشريك الفلسطيني ليس موجودا ، وإن وجد في شخص الرئيس عباس: فإنه لا يملك سلطة التنفيذ لأن المجلسين التشريعي والتنفيذي في يد حركة حماس.
دفع الرئيس الفلسطيني لممارسة صلاحياته بتشكيل حكومة طوارئ أو حل المجلسين سيكون بمثابة الفتيل الذي يشعل النار ، ولكن السيد عباس مطالب بأخذ المبادرة من أجل وضع حد للحصار المالي وربما السياسي الذي تتعرض له السلطة الوطنية والشعب الفلسطيني ، ولكن التصعيد الكلامي بين فتح وحماس يعكر الأجواء ولا يأتي بالفائدة لأي طرف ، كما أن المواجهات المسلحة والمؤسفة التي وقعت أكثر من مرة بين القوات التابعة له والقوات التابعة لوزير الداخلية في حكومة حماس ، تقول لنا بأنه ما من شيء يحول دون وقوعها مستقبلا.
فتح وحماس تركبان في المركب ذاته ، والمسافة بينه وبين شاطئ الأمان تعتمد على عزيمة الأيدي التي تحرك المجاديف والحفاظ على توازنه وسط الأمواج العالية والتأكد من أن بعض الركاب لن يحدثوا ثقوبا فيه كي لا يغرق ، إنهم جميعا مسؤولون عن الوضع الراهن ومهما كانت المبررات والشعارات البراقة التي يلجأ إليها الطرفان ، فكلهم يقفون في دائرة الخطر.
إذا كان الاحتلال الإسرائيلي وما يرتكبه من جرائم في حق الشعب الفلسطيني ليس كافيا لإحياء الضمير ، وإذا كان كل هذا الدم والتضحيات والعذاب والحال البائس لا يعني شيئا بالنسبة لهم ، فما الذي يمكن عمله لكي تدرك القيادات الفلسطينية كلها دون استثناء أنهم يحملون إثم ووزر هذه المرحلة من تاريخ الشعب الفلسطيني.
نرغب في المراهنة على ما بقي من حكمة ووطنية موجودة في القوى الفلسطينية التي يفترض أن تتحرك على الفور لمنع وقوع الكارثة الناجمة عن الصراع على السلطة والاستئثار بها ، وليس عن خلاف على الاعتراف أو عدم الاعتراف بإسرائيل ، والدخول أو عدم الدخول إلى عملية سلام ليست موجودة على أرض الواقع ، ذلك أن الأولوية الأولى والوحيدة الآن هي صون وحدة الشعب الفلسطيني ، أما الباقي فهو مجرد جدل أهوج ومبررات واهية.