عقود طويلة من السنوات، ساد الوهم على استمرار الخلافات التركية - العربية، وظلت فجوات تدهور المواقف بيننا وبينهم ثغرة عبرت منها أكثر من دولة، جعلت من تركيا خصماً لدوداً، أدى إلى اتساع الاتهامات وتحويل التاريخ إلى وثيقة إدانة دائمة بين شريكين، يفترض انهما يعيدان قراءة الواقع والمستقبل دون حساسيات، والنظر إلى الأمم الأخرى التي قسمتها الحروب كيف تنهي تلك الخصومات بتحالفات واتحادات تتطلع إلى مستقبل يقوم على عقلانية التصور والتصرف.
السيد رجب أردوغان يزور المملكة لأداء مناسك العمرة والتحاور مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وحتى لو جاءت الزيارة غير رسمية، ولا تحمل (بروتوكولات) خاصة إلا أن تركيا تمثل للعرب وللعالم الإسلامي الدولة المميزة بالاعتدال، وإدارة علاقاتها بموضوعية، دون التخلي عن هويتها الإسلامية، وهي في هذا النهج تعتبر الأهم بين دول إسلامية كبرى حين وقفت ضد انطلاق الطائرات الأمريكية من قواعدها العسكرية لاحتلال العراق، ورفضت الانجراف بالتدخل في شؤونه، وعالجت أزمتها مع سورية بمسؤولية كبيرة، والآن تعيد فتح مساحات كبيرة للحوار مع الدول العربية بكفاءة الدولة التي لا تريد التمييز بين المذاهب، والشعوب والدول، طالما الغايات يمكن تركيزها على منافع متعددة اقتصادية وثقافية، وفتح منافذ للعديد من مجالات الاستثمار.
المملكة التي ظلت بعيدة عن وضع مائدتها السياسية على طاولة أي حوار طرح المحاسبة واللوم، والتركيز على السلبيات دون الإيجابيات، تدرك أن تركيا من غير المنطقي فقدانها أو تحويلها إلى اتجاه يبعدها عن محيطها الأساسي، والملك عبدالله الذي برؤيته البعيدة، يسعى لإغلاق الخصومات، والتنازل عن هفوات الآخرين، جعل الهدف الأساسي التركيز على بناء هياكل لا تتغير بفعل أي تيار سياسي، بحيث تكون المشاركة في مشاريع طويلة الأجل وسيلة بناء الثقة بين الشعوب، وهو مع أردوغان يشكلان صورة للزعيمين اللذين يتجهان بسياساتهما إلى الواقعية وتأكيد المصالح بدلاً من توسيع الثغرات والخصومات، وحتى مع افتراض وجود تباينات بالآراء فالوسائل العديدة لتقريبها موجودة، وبكثرة، ثم إن دورهما يفرض أن تظل الأهداف أكثر علواً من أي أمر آخر، حتى يقوما بمهماتهما على أكثر من صعيد واتجاه.
فالعالم الإسلامي الذي تلعب به حالات تصدع كبيرة، قادت إلى تيارات تطرف، وانغلاق فكري، وتطور بعض حركاتها إلى انقسامات ولّدت قوى الإرهاب التي تعدت حدودنا إلى معظم دول العالم، شكلت مأزقاً جعل التعميم بالعداء للمسلمين مشكلة كبرى لا يمكن غلق نتائجها بالصدمات العامة، وإنما بالعمل الدؤوب والذي يحتاج إلى تركيا والمملكة، وكل الدول الإسلامية التي لديها طاقة التحرك الإيجابي مع كل الحضارات والثقافات والتلاقي معها في مناقشات وحوارات تؤدي إلى الفهم الحقيقي لطبيعة عقيدتنا وسلامتها ونبذها لكل سلوك خارج الطبيعة الإنسانية.