اعتقد البعض أن رموز السلطة كذبوا كعادتهم حين أعلنوا قبولهم نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة والحكومة التي تشكلت على ضوء تلك العملية الديمقراطية، لكن الأمر لم يقتصر على الكذب الذي بات عادة، ربما أخذاً بمقولة أن «الكذب ملح الرجال»، فلقد تبين أن هذه السلطة لا تملك أصلاً قرارها، وهذا كان جليا من خلال تراجع أبو مازن عن ما تم التوصل إليه حول تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الوفاق الوطني.
التي لا تعترف بإسرائيل، عشية زيارته إلى الولايات المتحدة ومن ثم ما جاء به من هناك والذي يتمثل بإطلاق الرصاصة الأخيرة ليس على الحكومة الحالية فحسب، لا بل على المجلس التشريعي، الذي انتخبها وعلى العملية الديمقراطية برمتها التي جلبت أعضاء ذلك المجلس إلى مقاعد البرلمان وبالتالي إخماد تجربة ديمقراطية حقيقية كادت أن تشكل منارة تستنير بها شعوب المنطقة .
إذا كان رموز السلطة يطالبون الآخرين بالاقرار بالاتفاقات الفلسطينية الموقعة مع اسرائيل برعاية المجتمع الدولي وبقرارات الأمم المتحدة، التي يتذرعون بها صباح مساء، فليتفضلوا ويعلموا الشعب الفلسطيني الذي يدعون تمثيله بما آلت إليه الجهود العربية الجماعية المبذولة خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة، حيث رفضت المبادرة العربية ،على علاتها، الداعية إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى أروقة المنظمة الدولية.
التي يحق لها متابعة ما اتخذت من قرارات تتعلق بهذه القضية على مبدأ أهل مكة أدرى بشعابها، لكن التحالف الصهيو- أميركي كان بالمرصاد كالعادة في التصدي لأي محاولة من شأنها إبعاد القضية الفلسطينية عن القبضة الحديدية الإسرائيلية المتحكمة بمقاليد الأمور بما فيها رغيف الخبز، الذي بات الحصول عليه مطلبا وطنياً.
لماذا ذهبت كل تلك الجهود العربية والدولية وحتى الفلسطينية أدراج الرياح . وهل على رأس السيد أبو مازن وأعوانه ريشة كي يتمكنوا من اختراق جدار الموقف الإسرائيلي الصلف من الفلسطينيين وقضيتهم.
ولماذا يطالب الفلسطينيون بالاعتراف بإسرائيل، ولماذا تطالب إسرائيل بالاعتراف بقضايا مثل اللاجئين وحق العودة والقدس وإقامة الدولة .
عندما كان عرفات على رأس السلطة كان الأميركيون يتحدثون عن تشدده ويطرحون أبو مازن بديلاً والآن جاء أبو مازن وجلس على عرش السلطة وهم يقولون الأمر نفسه ويطرحون المطالب نفسها لكن بسقف يزداد علوا بصورة تدريجية وفقا لما يجري في أروقة بورصة الانقسام داخل الساحتين الفلسطينية والعربية على حد سواء.
وبالتالي فليعلم الفلسطينيون بأنهم لو أشعلوا أصابعهم العشرة للولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل لما راق ذلك للكيان الصهيوني وسيبقى هذا الكيان يضع المزيد من الشروط والمزيد منها حتى تصل إلى درجة مراقبة ما يجري في غرف النوم.
علام تثير بعض الأطراف الفلسطينية سلسلة من الأزمات الداخلية العاصفة والخطوط الإسرائيلية الحمراء واضحة المعالم لا لبس فيها ومحاطة بسوار حديدي قائم على إجماع شتى مكونات المجتمع الإسرائيلي بمعزل عن مشاربها وتوجهاتها الأيديولوجية أو السياسية.
ولتذكير من أضل الطريق أو خانته الذاكرة أو عمى عيناه بريق الأوراق الأميركية الخضراء كان لزاما علينا تبيان طبيعة تلك الخطوط الحمراء كما هي وبلا أية تزويقات لا هم لها سوى خداع أبناء الشعب الفلسطيني على طريق إذابة قضيته ومحو هويته الوطنية من ضمير أبنائه.
تلك الخطوط الحمر ترقى إلى مستوى المحرمات من وجهة نظر جميع الأحزاب الإسرائيلية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وهي على الشكل التالي:
* يهودية الدولة الإسرائيلية جواً وبحراً وبراً.
* عدم العودة إلى حدود 5 حزيران 1967أي رفض 242.
* عدم الإقرار بحق العودة أي نسف القرار 194.
*رفض إزالة الكتل الاستيطانية الرئيسية.
* رفض السيادة العربية على القدس ومن هنا تأتي الجهود المحمومة لتهويدها عن طريق إنشاء المزيد من المستوطنات.
* ضمان أمن إسرائيل، الذي يعد أولوية الأوليات في الفكر السياسي الإستراتيجي الإسرائيلي.
جوهر القضية برمتها يكمن في الإجابة على سؤال : هل هناك استعداد لدى إسرائيل لإنهاء احتلالها ووقف ظلمها للشعب الفلسطيني. إذا توفر هذا الاستعداد فتنفتح الآفاق رحبة أمام مستقبل مزهر في المنطقة.