إذا ما استثنينا الدخول في حملة الانتخابات الرئاسية وتنافس الاشتراكيين والديغوليين عليها، فإن أهم القضايا التي شغلت فرنسا في الآونة الأخيرة هي أصداء النقاش الحامي حول الإسلام، والعرب، والعنف، والعقل، وما إلى ذلك. نشير أيضاً إلى تصريحات شيراك في أرمينيا ومطالبته بأن يعترف القادة الأتراك بالمجزرة الشهيرة لعام (1915-1917).
ومن المتوقع أن تكون لهذه الدعوة انعكاسات خطيرة لاحقاً. ولكن كل المجلات والجرائد الفرنسية بدون استثناء خصصت صفحات مطولة لمشكلة العلاقة بين الإسلام والغرب وهل يمكن أن تتحول من علاقة صدامية إلى علاقة حوارية بناءة. ويعترف معظم المراقبين والمختصين هنا بأن هذه المشكلة ليست عابرة ولا عارضة وإنما ستشغل الغرب، كما العالم الإسلامي، طيلة السنوات المقبلة إن لم يكن العقود القادمة من السنين.
ويعود ذلك ليس فقط إلى وجود جالية إسلامية ضخمة في أوروبا الغربية (15 مليون نسمة من بينهم خمسة ملايين في فرنسا وحدها) وإنما إلى عمق وتشابك العلاقات التاريخية بين فرنسا ودول المغرب العربي التي تقع على الضفة الأخرى والمقابلة من البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي فلا مفر من تصفية الحسابات أو فتح باب المصارحة على مصراعيه حول هذه القضايا. فالمصالحة الحقيقية لا تأتي إلا بعد المصارحة الكاملة بدون مواربة أو مراوغة.
ويأسف بعض المثقفين هنا لأن الجمهور الفرنسي لا يطلع على حقائق الإسلام إلا من خلال المقالات الصحافية السريعة أو من خلال نشرات الأخبار التلفزيونية الأكثر تسرعاً والتي تهيِّج الناس أكثر مما تعرفهم على خفايا الأمر بشكل موضوعي. فلا أحد مثلاً يشير، ولو مجرد إشارة إلى البحوث الجادة للمستعربين الكبار من أمثال جاك بيرك، أو لويس غارديه، أو أندريه ميكل، أو هنري لاوست، أو مكسيم رودنسون، أو كلود كاهين، أو هنري كوربان، أو لويس ماسنيون الخ...
فهؤلاء يعرفون الإسلام من الداخل وقد أمضوا كل عمرهم في دراسته دراسة علمية، تاريخية، فلسفية. وربما كان ينبغي تبسيط نظرياتهم عن الإسلام من أجل تعميمها على طلاب المدارس أو الجمهور العريض لكي يعرف ما هو الإسلام بالفعل. لو حصل ذلك لزالت هالة الرعب السوداء عن الإسلام والمسلمين في فرنسا، ولزالت الأحكام السلبية المسبقة المترسخة في ضمائر الناس بمجرد أن تذكر كلمة عرب، أو إسلام، أو مسلمين.. لقد أصبحنا نوعاً من «البعبع» بالنسبة للغرب.
ولكن البعض الأخر يضيف قائلاً: هذا ضروري، ولكن لا يكفي. فما دامت حركات التطرف في العالم الإسلامي ناشطة وقوية وتحظى بشعبية كبيرة فإن الصورة العنيفة أو السلبية عن الإسلام سوف تظل سائدة ومنتشرة جداً في أوساط الجمهور الأوروبي-الأميركي بل وحتى العالمي. وبالتالي فهناك عوامل داخلية وخارجية، عوامل تاريخية عميقة وعوامل حالية راهنة تساهم في تشكيل هذا الجو المشحون بالغضب والخوف والكره بين عالم الإسلام وكل ما عداه. ثم يضيف البعض الثالث قائلاً:
لا ريب في أن غزو العراق، ومأساة فلسطين، وكارثة أفغانستان، ثم الآن الصومال ودارفور، كل ذلك يساهم في اتساع الهوة السحيقة بين الإسلام والغرب. وبالتالي فالحق ليس فقط على الجمود التاريخي أو التحجر العقلي الذي أصاب العالم العربي الإسلامي منذ عدة قرون، وإنما أيضاً على العولمة الأميركية الظالمة التي تزيد الغني غنى والفقير فقراً بالإضافة إلى سياستها الخارجية المختلة التوازن إلى حد كبير.
كل هذا صحيح، وأكثر منه. ولكن إذا كانت مجلة «اللوموند ديبلوماتيك» الشهرية تركز على العوامل الخارجية وإدانة الغرب والسياسة الأميركية في فلسطين والعراق خصوصاً، فإن مجلات اليمين الفرنسي تركز على دور العوامل الداخلية في تأخر العالم العربي والإسلامي.
بالطبع فإن الجميع يتفقون على أن هناك مشكلة داخل عالم الإسلام الذي لم يشهد بعدُ إصلاحه الديني الكبير كما حصل للمسيحية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذا الشيء هو الذي دفع البابا إلى ارتكاب خطأ شنيع عندما اعتقد بأن جوهر المسيحية يتوافق مع العقل منذ البداية، في حين أن جوهر الإسلام لا يتوافق! فالواقع أن الإسلام سبق المسيحية إلى تبنّي العقلانية الفلسفية والعلمية بعدة قرون.
وقد رد المثقف الهولندي «إيان بوروما» على كلام البابا بقسوة عندما قال: لا يوجد خلاف جذري بين الإسلام والمسيحية من حيث القبول بفكرة التطور والعقلانية. فالمسيحية ليست أفضل من الإسلام على عكس ما زعم بابا روما عن تعصب وجهل. والدليل على ذلك أن المسيحية حاربت العلماء والفلاسفة إبان محاكم التفتيش السيئة الذكر، بل وقتلتهم وحرقت كتبهم. وبالتالي فلا أحد أحسن من أحد...
وعيب على البابا أن يهمل هذه النقطة أو أن يمر عليها مرور الكرام وكأنها لم توجد في تاريخ المسيحية وبخاصة المذهب الكاثوليكي الذي يقف هو شخصياً على رأسه. فقد كان أشد كرهاً للحداثة والتنوير من المذهب البروتستانتي. وبالتالي فلا يحق له أن يعطي دروساً في هذا الشأن. وينبغي عليه أن يكنس أمام بيته أولاً بدلاً من أن يخلع المشروعية اللاهوتية على نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتنجتون!
لا ريب في أن العالم الإسلامي تخلى عن الفلسفة بل وكفَّرها بعد موت ابن رشد عام 1198م. وظل كارهاً لها حتى مطلع النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر. ولكن هذا لا يعني أن جوهر الإسلام مضاد للفلسفة والعلم كما يزعم البابا. فلو كان الأمر كذلك لما ازدهرت الفلسفة إبان العصر الذهبي للإسلام ولما كانت عادت من جديد إلى ساحة الجامعات العربية بعد عصر النهضة. فلا توجد جامعة عربية إلا وفيها قسم للفلسفة. فقط رجال الدين لا يزالون يرفضونها.
وإذن فالحق على الظروف السياسية والتاريخية السيئة وليس على الإسلام كإسلام. والقول بعكس ذلك يعني الوقوع في نوع من الاستعلاء العنصري أو التمييز الطائفي ضد المسلمين والعرب.. وهذا شيء لا يليق بعالم كبير كبابا روما.. وما كان ينبغي عليه أن يقع في هذا الفخ أو المطب. ولكن للأسف فإن هذه هي الصورة السائدة عن الإسلام في كل أنحاء الغرب وليس فقط البابا.
إن من يقول هذا الكلام ليس مثقفاً عربياً أو مسلماً وإنما هو باحث هولندي من أصل أميركي. وقد نشر مؤخراً كتاباً هاماً عن المخرج السينمائي الهولندي ثيو فان غوخ الذي اغتاله أصولي مغربي متعصب قبل سنتين أو ثلاث سنوات. وأحدث هذا الفعل الإجرامي ضجة كبرى في وقته وانعكس على الجالية الإسلامية سلباً في بلاد ايراسموس وسبينوزا وفان غوغ. فالقوانين تغيرت وأصبحت أكثر قسوة تجاه المغتربين. ومعلوم ان المخرج السينمائي هو حفيد الرسام العالمي الشهير والعظيم: فان غوغ المذكور آنفاً. عنوان الكتاب الذي صدر مؤخراً في المكتبات الباريسية هو التالي: لقد قتلوا ثيو فان غوخ. تحريات ميدانية عن أوروبا التنويرية وربما كانت لنا إليه عودة.
كاتب سوري
باريس