صمتت المدافع وتوقفت الصواريخ والقذائف، والتي استمرت تنهمر طوال حرب مدتها 34 يوماً، سماها البعض حرب حزب مع إسرائيل، بينما حاول أطراف أخرى تسميتها الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل وذهبت بعيداً بعض الأصوات إبان توتر الشارع وحماسه المستميت، بوصفها حرباً مقدسة على العدو الصهيوني، وكانت تعيد خطاباً عمره أكثر من ستين عاماً، خطاباً اهترأ. وبرهنت السنوات تلك بأنها لن تكون إلا حرباً أكثر مغامرة من الحرب الأخيرة.

حيث تهافتت وتعالت الأصوات القومية واليسارية والإسلامية المتشددة، فهتفت: خيبر.. خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود. ودون وعي لهذا الخطاب وجدنا محطات تلفازية مارست لعبة التحريض والدعائية ضد بعض الأنظمة العربية وحكامها بمعنى ودون معنى، مستغلة حالة التضخم الشعوري والانفعالي لدى الشارع العربي من كارثة الحرب.

ولكن مع صمت مدافع كل حرب يتم تقليب الأوراق وإعادة تقييم الأمور بهدوء يناسب الهدوء السلمي للعواصف. كما أن كوارث الحرب وهيجان المشاعر لم تساعد الشعوب ولا الأنظمة طوال تاريخها بمعالجة حكيمة وواقعية حتى وان كانت قضيتها عادلة. لقد خرج علينا السيد حسن نصر الله ليقول للعالم، انه لم يتوقع رد الفعل الإسرائيلي سيكون بهذا الحجم. جاء هذا التصريح بعد أن تفحصت لبنان كارثتها الحقيقية، ولو قال ذلك مسؤولاً في بلد ديمقراطي عريق، لتعرض إلى مساءلة تصل إلى مستوى المحاكمة.

فالمسألة لا تقاس بالبطولات والهزائم على طريقة المونديال الرياضي، فحياة ومصائر الشعوب والبلدان ليست نزهة عابرة يمارسها الناس في إجازتهم الأسبوعية في جادة مخملية. ولو لم يخرج أمين عام حزب الله بنفسه وقال ذلك لما صمتت الأصوات العربية في المحطات، مع أنها ظلت تواصل استنساخ الخطاب الدعائي للامين العام حول مسألة، النصر الإلهي، والعلة الكبرى أن مقاييس الهزيمة والنصر باتت أشبه بالمزادات السياسية، فاختفت شجاعة النقد وارتفعت ضخامة الصوت في المحطات والصحف.

لم يسأل أحد كيف لم يكن هناك في قيادة حزب الله اتجاه سياسي معارض لخطف الجنود، حتى ولو شخص واحد في القيادة ؟ ولكي لا يخسر حزب الله رصيده السياسي من تلك المجازفة التي دخلها دون سيناريوهات دقيقة! كان عليه بعد انتهاء الحرب الإسراع باستنهاض المزاج العام بين الجنوبيين وسكان الضاحية، والذين كانوا في داخلهم موزعين بين الولاء التقليدي للثقافة المرجعية والطائفية وبين مرارة تلك الخسائر الفادحة، لكن حزب الله عرف كيف يلتقط تلك المحنة برزمة من الدولارات الأميركية، ولكنها دون شك دولارات نفطية في نهاية المطاف، المهم أن تصبح جرعة الاثني عشر ألف دولار حقنة التهدئة لمعالجة المحنة الكبرى، التي دفع ثمنها الناس.

ومع ذلك كان حزب الله وأمينه العام يدركان أن الحرب السياسية الداخلية والدولية أصعب بكثير من حرب الصواريخ على المدن الإسرائيلية، فهناك مجتمع دولي وقف مع إسرائيل، وعزلت لبنان بحصار إسرائيلي من الصعب أن تفكه الصواريخ العابرة، وفي ذات الوقت نجحت حكومة السنيورة في دبلوماسيتها، مثلما نجحت جماعة 14 مارس بدفع المجتمع الدولي بالتصويت لقرار 1701، والذي يتفق مع توجهاتها السياسية.

ومن جهة أخرى استطاعت داخليا أن تمسك بتوازن سياسي، بين نقدها الشديد لتوريط حزب الله لبنان في قرار الحرب من جهة ومن الجهة الأخرى حفاظها على وحدة الشارع اللبناني، فانتقدت الممارسات العدوانية لإسرائيل. وبين مطرقة الحرب وسندان حزب الله.

كانت التفاعلات السياسية تتبلور في اتجاه المساءلة السياسية حول ملفات محددة، سلاح حزب الله وتحالف الترويكا الاستراتيجي في المنطقة، والذي ينفخ في إشعال المنطقة وتوتيرها، فتصبح لبنان فيه دائماً ساحة المواجهة، ويدفع البلد الصغير وشعبه ثمناً يفوق ثمن تلك الصواريخ المنطلقة في فضاء الله المفتوح.

لقد شعر حزب الله عمق المسافة ما بين نجاحه العسكري وخسارته السياسية، خاصة في المجتمع الدولي، فقد عجز عن إيقاف قرارات كثيرة تلجمه وتضعه في الزاوية الضيقة، وبدلا من معالجة الوضع السياسي الداخلي عن طريق الحوار الجديد والمفتوح، بعد ممارسة نقد الذات بدلا من تضخم الذات. غير أن نشوة الانتصار العسكري النسبي لحزب الله قادته لمهرجان جماهيري تحت شعار، مهرجان النصر، كان مجمله خطابا تعبويا.

يدغدغ عاطفة الشعب اللبناني الذي لا يزال مشحونا ولم يخرج من انفعالات الحرب وتداعياتها، فجاء المهرجان السياسي لتصليب موقف الحزب الداخلي تنظيمياً وشعبياً، وفي الجانب الآخر امتصاص السخط العام لدى المهجرين، الذين توقعوا أن تعالج ظروفهم السكنية بعصا سحرية. ومن جديد يلقي حزب الله اللائمة على حكومة السنيورة بتهاونها في حل مشكلة الإعمار.

بهذا الخطاب المحرك للمشاعر أمام جماهير شعبية عاطفية تجد في قائدها، منقذا ومخلّصا، فها هو يحررها بمشروع، حكومة وحدة وطنية، حكومة لبنانية قوية ونظيفة وعادلة، وعندما نسبر مضمونها تبدو جميلة المعنى والدلالة، ولكن المفردات الأدبية تتبخر وتتطاير مثلما تتطاير أوراق الخريف.

من يتأمل الخطاب وما بعد المهرجان، يلمس البعد السياسي للحزب في طموحه في تقرير مسار ومصير الدولة وفق التوجهات الراديكالية، في وقت لا يمكن فيه لبنان أن يتحرك في اتجاه خارج دائرة العولمة والمحيط الإقليمي والعالمي العام، حيث بعض الأنظمة، المثالية، العادلة والنظيفة المنشودة، لم تقدم بتجربتها الطويلة حلولاً ناجعة لواقعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

في ذلك المهرجان الاستعراضي للقوة والنفوذ حاول الحزب إعادة الإعمار السياسي لوجوده في كافة المواقع، فالمهرجان كان رسالة سياسية للعالم، ورسالة سياسية للداخل، لم تترك في محصلتها النهائية إلا انطباعا سلبيا، وتهديدات مبطنة بإدخال الدولة في دوامة الأزمة بالنزول إلى الشارع إذا لم تستجب لمقترح حكومة وحدة وطنية، حكومة بإمكان حزب الله بناء خارطة سياسية وفق حساباته.

كاتب بحريني