التوطين ذلك الهدف الاستراتيجي الذي ترمي دولة الإمارات إلى تحقيقه في القطاعين العام والخاص، انطلاقاً من مبدأ ضرورة اعتماد الدولة على كفاءة أبنائها في إدارة وقيادة كل القطاعات ومن ضمنها القطاع الخاص وكذلك لامتصاص البطالة في الوقت الحاضر والمستقبل وإعداد جيل متطور مثقف يستطيع تحمل مسؤوليات هذه المرحلة والمراحل اللاحقة.

وفي مراجعة سريعة لمجمل الموضوع نجد أن القطاع العام يكون قد استوفى حقه في هذه المرحلة من حملة التوطين هذه، رغم أن هناك آمالا أكبر مما وصل إليه التوطين في القطاع العام (الحكومي) غير أنه وفقاً للقياسات والتدرج في توطين هذا القطاع يكون في موقع جيد ومن الممكن الاطمئنان إلى القول بأن هذا القطاع سيكون توطينه بالكامل خلال عام واحد تقريباً.

غير أن الوجه الآخر من التوطين في القطاع الخاص غير الذي وصل إليه التوطين في القطاع العام، بل نستطيع القول اننا لم نجد نتائج ملموسة في تطبيقات توطين هذا القطاع المهم والحيوي في عصب اقتصاد الدولة، ومن المعروف أن القطاع الخاص في عموم الدولة بشكل عام إنما يعاني من فراغ تام تقريباً من الأيدي العاملة من المواطنين وقد يكون إجمالي الأيدي العاملة في القطاع الخاص هم من الوافدين وأن نسبة المواطنين العاملين في هذا القطاع قد لا تتجاوز اثنين إلى ثلاثة بالمئة وهذه نسبة مخيفة يجب الوقوف عندها والتأمل فيها جيداً.

القيادة الحكيمة في دولة الإمارات متلمسة لأهمية هذا القطاع وأهمية توطينه ابتداء من هذه المرحلة، وعلى هذا جاءت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ حفظه الله. حين أطلق برنامج الإمارات الهادف إلى توطين القطاع الخاص، وهذه المبادرة التي تحسسها هذا القائد من خلال رؤيته ونظرته لمستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة وضرورة اعتماد هذه الدولة على كفاءة أبنائها من خلال تدريبهم وتطويرهم وإعدادهم جيداً للدفع بهم في معترك العمل في هذا القطاع الحيوي والمهم، وليصبحوا بعد ذلك تلك العملة المرغوب فيها في القطاع الخاص.

وتناولنا وكتاب آخرون هذا الموضوع في مناسبات عده مع شيء من الحماسة من أجل دعم برنامج الإمارات وشرح أهمية هذا البرنامج لمستقبل دولة الإمارات وطناً وشعباً، وأهميته لاقتصاد الإمارات وضرورة الانتقال إلى مرحلة الاعتماد على الذات وفق مراحل متدرجة ووفق خطط علمية مدروسة ومقدر لها النجاح بنسب عاليه تكون غايتها في النهاية تحقيق الأهداف المتوخاة من هذا البرنامج.

ورغم مرور فترة طويلة على إطلاق البرنامج لم نجد شيئاً قوياً وملموساً في دخول الأيدي العاملة المواطنة إلى السوق ـ القطاع الخاص ـ إلا في وظائف بسيطة جداً وتكاد تكون رمزية في بعض الأحيان، كما أن وزارة العمل من جهتها لم تحرك ساكناً بشأن هذا الموضوع سوى بعض القرارات التي لم تكن في تكويناتها ما يدفع أو تطبيق فكرة توطين القطاع الخاص.

كما أن نجاح توطين القطاع الخاص مرهون بآليات تنفيذ معينة وهي على نوعين: أولهما: آليات إعداد الموارد البشرية وتهيئها بما تتلاءم والعمل في القطاع الخاص وثانيهما: إصدار القرارات والقوانين الكفيلة بتنفيذ برنامج توطين القطاع الخاص. ولغرض تنفيذ هاتين الآليتين فإننا في الحقيقة نحتاج إلى خطط مدروسة تهدف إلى تمازج الآليتين معاً. وهذا ما لم نلمسه لحد الآن، حيث تشير التقارير أن هناك أكثر من ستمئة ألف فرصة عمل جديدة طرحت في سوق القطاع الخاص العام الماضي وكانت حصة الوافدين منها حصة الأسد.

والسؤال الذي يطرح نفسه كم من فرصة عمل في القطاع الخاص من هذه الستمئة ألف فرصه كان يجب أن تذهب الى حصة المواطنين؟ والجواب الكثير والكثير ولكنها في حقيقة الأمر لم تمنح هذه الفرص الى المواطنين... لماذا والإجابة معلومة وهي لأسباب علمية وفنية وتقولات بما معناها أن المواطن لا يستطيع العمل في القطاع الخاص وليس له الخبرة والملكة الكافية التي تدعمه للعمل بنجاح في هذا القطاع.

ومن الطبيعي أن هذا القول غير صحيح بل هو قول مصطنع فيه محاولة غير شريفة لإبعاد المواطن عن هذا القطاع وان الذين يتقولون بذلك فإنهم أصحاب الشركات من الوافدين أو من الوافدين المديرين في شركات ومصانع تعود الى مواطنين، وهذه بحد ذاتها تعتبر مشكلة حيث كان على القائمين على برنامج الإمارات لتوطين القطاع الخاص الانتباه إليها ومعالجتها وقد سبق أن نبه اليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله، ونوه إليها أيضاً الكثير من الكتاب والمتتبعين لهذا الموضوع.

وهناك أمثلة كثيرة يمكن سردها في هذا المقال ولكننا سنكتفي هنا بالوكالات والشركات والمصانع التي يمتلكها المواطنون من أبناء هذا البلد أو الوافدين، فعندما تدخل في هذه الأماكن لم تجد هناك أي مواطن يستقبلك او يلفت انتباهك من ان هذه الشركة هويتها إماراتية، وتغلب على مثل هذه الشركات العمالة الآسيوية وأنك عندما تدخل في هذه الوكالات أو المصانع يهيأ لك أنك في احدى الدول الآسيوية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ... لماذا يفضل أصحاب رؤوس الأموال من المواطنين الإماراتيين أو الوافدين عمل الوافد الآسيوي بدلاً من المواطن هل لأن الوافد الآسيوي هو أفضل من المواطن من حيث المهارات الفنية والجواب كلا لأن أكثرية الوافدين الذين يعملون في الوكالات والشركات لا توجد لديهم مقومات فنية تميزهم عن المواطنين فكل ما يقومون به هي أعمال إدارية وسكرتارية وغيرها من الأعمال التي لا تحتاج إلى خبرات متراكمة لممارستها.

إذن ما هو السبب؟

السبب أيها السادة يكمن ان هذا الوافد ـ الآسيوي ـ لا يكلف أصحاب رؤوس الأموال رواتب ومصاريف مثلما يجب إعطاؤها الى المواطن ومن الممكن التصور أن هذا الوافد الآسيوي يرضى براتب شهري مقداره -/500 ,1 درهم أو حتى أقل من ذلك، في حين أن المواطن لن يرضى بهذا الراتب الضئيل.

ولكن عدم قبوله هذا يجب أن لا يحرمه من مواطنته ورزقه ومجتمعه ويتم تفضيل عليه شخص يأتي من وراء البحار ليأخذ مكانه في العمل بحجة أنه لا يكلف صاحب الشركة أو الوكالة تلك المبالغ التي يطلبها أو يتطلبها عمل المواطن علما بأن هذا الوافد يكلف رب العمل أكثر من ذلك من خلال الرسوم غير المباشرة والتكاليف الباهظة التي تتكبدها الدولة من صحة وغيره.

إذن هناك خلل كبير وواضح ومشخص في عملية توطين القطاع الخاص يتحمله أصحاب رؤوس الأموال من المواطنين بفضل وطنهم الإمارات والآن أصبحوا يغلون ايديهم عن مساعدة أبناء جلدتهم ويفضلون غيرهم (الأجنبي) عليهم.

وفي مراجعة بسيطة في خسارة رؤوس الأموال عند اشتغال المواطن فكم ستكون هذه الخسارة برأيكم ؟ أكيد أنها خسارة لم تذكر من الربح وليس حتى من رأس المال، ألا يستحق الوطن هذه الخسارة البسيطة من أجل مستقبل أفضل لهذا الوطن.

عليه يتوجب تغيير سياسة التوطين في القطاع الخاص في هذه المرحلة، وذلك من خلال تشريع القوانين والأوامر التي تفرض على أصحاب رؤوس الأموال من أصحاب الوكالات والشركات والمصانع بتشغيل المواطنين في مواقع معينة في تلك الشركات وبالتالي التدرج بهذه المواقع لتشمل عددا أكبر وصولاً إلى الهدف المنشود ونجد أن هذا الحل الفعّال لتنفيذ مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ـ حفظه الله ـ ضمن برنامج الإمارات لتوطين القطاع الخاص.

كاتب إماراتي

ashid.shabib@binshabib.ae