اختفى الجيش اللبناني ابان الحرب الأهلية كمؤسسة موكول إليها حفظ امن حدود الدولة وسيادتها ، فقد انعكست الحرب على هذه المؤسسة وتشظت طائفيا ولم تعد تمثل ذلك الرمز الذي كانت ترمز إليه ولكن بعد اتفاقات الطائف ونهاية الحرب بدأت عملية تأسيس وإعادة تأهيل بطيئة محكومة لهذا الجيش بجملة متغيرات داخلية لبنانية لعل أهمها:

1- الأرضية الطائفية، إسلامية كانت او مسيحية ، فقد ظل كل فرقاء الحرب بعد توقفها متمسكين بأسلحتهم وميليشياتهم التي ورثوها عن تلك الحرب ولم يكن أي طرف منهم رغم اتفاق الطائف على استعداد للتخلي عن منظمته العسكرية التي يرى فيها الضمانة الوحيدة للدفاع عن حياض الطائفة ومكتسباتها.

ورغم ان الحرب قد انتهت ميدانيا وأدركت كل الأطراف بأنها كانت تجربة مدمرة مريرة خرجوا منها جميعا خاسرين إلا أنها تمخضت عن نتيجة ايجابية تمثلت في ان لا أحداً من أطرافها يتمنى العودة إلى تلك التجربة كما ترسخت لديهم قناعة بأن لا أحداً منهم يستطيع ان يحقق او يفرض ما يريد على الآخر وان الكيان اللبناني هو الصيغة البديلة عن الاقتتال والخراب وهو الذي في ظله يمكن ان تحافظ جميع الأطراف على بقائها واستمراريتها دونما حاجة للصراع المسلح.

غير ان لبنان ليس إمارة موناكو او سان مارينو بل يقع في قلب اكثر مناطق العالم توترا وصراعا ويمثل ملتقى للحضارات والثقافات والمصالح والاهواء ولذا فإن قناعة الأطراف اللبنانية بعدم العودة إلى تجربة الصراع المسلح ليست ضمانة كافية على عدم تكرارها ومن هنا يصبح تمسك كل فريق بتنظيمه المسلح كيف ما كانت قوته أمراً تقتضيه الاحتمالات المفتوحة في كل الاتجاهات وهذا الوضع شكل عائقا أمام نمو وتسريع بناء مؤسسة الجيش اللبناني رغم اتفاق الجميع وتشجعهم العلني لمخطط إعادة تأسيس هذا الجيش.

2- الإمكانيات اللبنانية فلاشك ان قدرة لبنان المادية لا تسمح له بتكوين وتجهيز هذا الجيش على وجه السرعة بعد خروجه من محنة الحرب الأهلية وما سببته من دمار اقتصادي وما تركته من حساسيات وتوجسات تجاه دور ومهمة هذا الجيش ومن هنا لابد ان تتضافر قدرات ونوايا ليس من داخل لبنان فقط بل من خارجه أيضا لانجاز هذا المشروع ولعل زيارة رئيس وزراء بريطانيا للبنان بعد نهاية الحرب كانت احد أغراضها تصب في هذا الاتجاه.

غير ان هذا الدعم من قبل الغرب يثير من الشكوك والشبهات لدى بعض الأطراف اللبنانية حول دور هذا الجيش والمهمة المناطة به في حالة تبني الغرب له في ظل الظروف التي يمر بها لبنان ولاسيما انه ليس خافيا على احد بأن الغرب لا يمكن ان يتحمس او يتبنى مهمة بناء أي جيش عربي اذا كان ذلك يتعارض مع اقل مفردات استراتيجيته أهمية في المنطقة.

بل أثبتت تجارب التاريخ البعيدة والقريبة بأنه لا يتردد ولا يتهاون في تدمير نواة أي جيش يرى فيه مصدرا محتملا لإزعاج مخططاته وسطوته في منطقة يتجسد فيها جزء مهم من رموز هيمنته الاقتصادية والسياسية في العالم ، ولهذا فإن بعض الأطراف اللبنانية قد تجد من الحجج والأدلة ما يدعم توجساتها ومخاوفها من المهمة التي يريد الغرب ان يسندها لهذا الجيش.

ان مهمة تجريد المقاومة من سلاحها والتي لم تنجح إسرائيل في انجازها خلال الحرب الأخيرة تعد مطلبا معلنا وأساسيا تجمع عليه كل قوى الغرب الكبرى التي وجدت في الخلاف بين القوى اللبنانية حول هذه القضية فرصة ومدخلا لبنانيا لانجاز هذه المهمة، فالجيش اللبناني كأي جيش يمثل احد الرموز الشرعية للوطن غير ان هذا الجيش يجد نفسه أمام محظورين:

أولهما هو ان يراد له الاصطدام بالمقاومة بصرف النظر عن قدرته لأن المطلوب هو إظهار المقاومة على أنها لا تقاتل الجيش الإسرائيلي بل الجيش الذي يمثل رمز وحدة التراب الوطني ويقف على الحدود في مواجهة إسرائيل ، فمثل هذا الوضع يفتح الطريق ويشرعن مساهمات القوى الأخرى لمعاضدة الشرعية الوطنية في مواجهة فصيل مسلح لم تعد له قضية يحمل من اجلها السلاح.

اما المحظور الثاني فيتمثل في الانقسام الحاصل بين القوى اللبنانية حول نزع سلاح المقاومة وتقييم نتائج الحرب، فهذا الانقسام يجعل من مهمة الجيش اللبناني امرا بالغ الحساسية لأن تعرضه للمقاومة ستعتبره الأطراف المؤيدة لها انحيازا واضحا إلى جانب الأطراف المعارضة لها وهذا يقلل من الرمزية الوطنية والحيادية التي يمثلها الجيش في نظر هؤلاء بل قد يرون في ذلك نزولا عند امتلاءات إسرائيلية وغربية.

ان مهمة الجيش اللبناني تبدو صعبة مقارنة بمهمة أي جيش آخر ، فلبنان الوطن يريد منه جيشا وطنيا يدافع عن الأرض وبعض اللبنانيين يريدونه عضدا لرؤيتهم السياسية والبعض الآخر منهم يريده محايدا بينما تريده إسرائيل جيشا قادرا على توفير الهدوء والطمأنينة لمستعمراتها في الشمال وضعيفا في مواجهة عربدتها وبلطجتها متى شاءت في الوقت الذي يريد فيه الغرب من هذا الجيش ان يكون مظلة شرعية يجرى تحتها تصفية القوى التي يعتبرها معادية لمصالحه واستراتيجيته العريقة في المنطقة.

كاتب ليبي

جامعة بنغازي