الحراك الذي أحدثه إعلان اللجنة الوطنية للانتخابات عن اعتماد قوائم الهيئات الانتخابية لنصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، مهما اختلفت الآراء حوله، هو بكل المقاييس حراك إيجابي يعكس حالة الترقب التي كان يعيشها مجتمع الإمارات، وهو مقدم على تجربته الأولى في مجال اختياره لمن يمثله في المنبر الذي تقاس من خلاله درجة المشاركة الشعبية في صنع القرار.
حتى لو كان دور هذا المجلس مازال استشارياً بانتظار تطويره كي يصبح له دور تشريعي يتوافق مع الخطوة الأولى في عملية الانتقال بهذا المجلس من مرحلة التعيين إلى مرحلة الانتخاب الكامل التي توقع لها معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي ورئيس اللجنة الوطنية للانتخابات سقفا زمنيا لا يتجاوز السنوات الأربع.
وهي فترة زمنية نراها معقولة وكافية لتقييم التجربة وتطويرها إذا ما اعتبرنا انتخاب نصف الأعضاء مرحلة انتقالية يجب المرور بها حتى تنضج التجربة.
وبالرغم من تعدد الأسئلة التي أثيرت بعد إعلان قوائم الهيئات الانتخابية، وصدمة بعض من لم تتضمنهم هذه القوائم، وفرحة بعض من تضمنتهم، ومطالبة البعض بمعرفة القواعد التي تم على أساسها الاختيار، وضبابية رؤية البعض لقواعد الترشح والانتخاب، إلا أن كل هذا يبقى متوقعا في مجتمع يخوض تجربة من هذا النوع للمرة الأولى ويرى حوله تجارب أخرى.
يسجل بعضها نجاحا ويتعثر بعضها لسبب أو لآخر. كما تبقى لمجتمع الإمارات خصوصيته التي تفرضها تجربته الاتحادية الفريدة، وطبيعة هذا المجتمع التي تشكلها مجموعة من العوامل الديموغرافية تجعل هذه الأسئلة مشروعة.
وتلقي بظلالها على كل خطوة في هذا الاتجاه، مع الاعتراف بأن الجوانب الإيجابية في هذه الخطوة تطغى بكثير على الجوانب السلبية التي يُلفت النظر إليها البعض من باب الرغبة في الوصول إلى الكمال، والكمال في مثل هذه الأمور صعب المنال إن لم يكن مستحيلا. يؤكد ذلك ما نراه من ثغرات وتجاوزات بعضها مخجل في دول ذات تجارب ديمقراطية عريقة وأنظمة سياسية نكاد نعتبرها نموذجية.
ما يلفت النظر في تجربتنا الانتخابية ذات الخصوصية أنها تعترف بكونها تجربة وليدة تتلمس الخطى نحو الوصول بالعملية الانتخابية إلى الاكتمال خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، وبأقل قدر من الأخطاء والعثرات، وهي لا تدعي الكمال كما نرى عادة في مثل هذه التجارب. ولذلك ينظر المواطنون إليها بكثير من الترقب والأمل، ويمطرونها بالكثير من الأسئلة والملاحظات، ليس رغبة في النقد وإنما سعيا للاقتراب بها من الصورة التي يتمنون لها.
ولأن اللجنة الوطنية للانتخابات تدرك ذلك، فهي تتعامل مع هذه الأسئلة والملاحظات - حتى لو كان بعضها حادا - بكثير من التفهم والمرونة لاستيعاب الجميع، وهذه هي أولى قواعد الديمقراطية إذا أردنا للعملية أن تكتمل وتأخذ مسارها الصحيح للوصول بها إلى بر الأمان.
فإذا ما انتهينا من هذا الجانب الذي يُعتبر بداية التحول في دور المجلس الوطني الاتحادي بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة، وجب أن ننظر إلى الجانب المهم الآخر من المعادلة، وهو تطوير دور المجلس بحيث لا يعود مجرد مجلس استشاري قراراته غير ملزمة. وهذا جانب لا نعتقد أنه غائب عن قيادة الدولة كي يحقق قرار انتخاب نصف أعضاء المجلس الهدف منه، وهو إعطاء المشاركة الشعبية زخما يتوافق مع عمر الدولة وحركة التطور التي شهدتها على مدى السنوات الماضية في كل المجالات.
بحيث يكون تفعيل دور المجلس الوطني متزامنا مع الانتقال به من مرحلة التعيين الكامل إلى مرحلة الانتخاب الكامل، ليعكس درجة النضج الوطني والسياسي التي وصل إليها أبناء الإمارات ليصبحوا مشاركين فاعلين في صنع القرار، ويؤكدوا للوطن وقادته أنهم أهل لتحمل المسؤولية بعد أن أثبتوا جدارتهم في كل المجالات التي خاضوا غمارها.
بقي أن يدرك كل من يفكر في الترشح لانتخابات المجلس الوطني ممن وردت أسماؤهم في قوائم الهيئات الانتخابية أن هناك قضايا كثيرة وملحة على أجندة العمل الوطني ينبغي التصدي لها بعزيمة صادقة وإخلاص للوصول إلى الحلول المناسبة. وهي قضايا عبر عنها المواطنون بكل صراحة على مدى الأيام القليلة الماضية من خلال الاستطلاعات التي قامت بها الصحف المحلية منذ أن تم الإعلان عن قوائم الهيئات الانتخابية. ملفات بعضها مفتوح منذ سنوات.
تتضخم عاما بعد عام دون الوصول إلى حلول ناجعة لها، وبعضها ربما كان فتحه على الطريق في ظل عدم إغلاق الملفات القديمة. فليس جديدا أن نقول إن مشكلة الإسكان واحدة من القضايا التي تشغل بال المواطنين لأن المسكن هو العامل الأول في استقرار الإنسان، بدونه لا يحس المواطن بالأمان والاطمئنان على أرض وطنه، وبه يكتمل الانتماء للوطن.
ورغم كل مشاريع الإسكان وصناديقه لا تزال هذه المشكلة تؤرق الكثير من المواطنين، لاسيما المقبلين على الزواج منهم. أما قضية البطالة بين المواطنين فهي مشكلة أخرى تستفحل كل يوم وتزداد.
إذ كلما دفعت الجامعات بالمزيد من الخريجين تضاءلت الفرص في سوق العمل أمامهم، وارتفع معدل البطالة بين المواطنين في دولة توفر فرص العمل لجنسيات من دول سمعنا بها وأخرى لم نسمع، ثم يقف أبناؤها في طوابير الباحثين عن عمل سنوات ليعودوا من بحثهم خائبين. وبقدر ما يمثل المسكن والوظيفة العاملين الأساسيين في استقرار المواطن وإحساسه بالأمان على أرض وطنه، فإن قضايا أخرى كثيرة تطرح نفسها بقوة وتصب في صلب بناء الإنسان والوطن.
يتركز أغلبها في قطاع الخدمات كالصحة والتعليم وكل ما يتعلق بحياة المواطن اليومية. وهي قضايا حيوية يتجدد الحديث عنها ولا ينقطع لأنها تقترن بالسعي الدائم للتطوير وتحسين الخدمات، لذلك فإن الوصول إلى الرضا الكامل فيها غاية لا يمكن إدراكها. وقبل هذا كله وبعده تأتي قضية التركيبة السكانية لتشكل عاملا مشتركا بين كل هذه القضايا وبندا دائما على أجندة قضايا الوطن وهمومه.
ماأثاره إعلان قوائم الهيئات الانتخابية من زهو في نفوس بعض الذين تضمنت القوائم أسماءهم حق ربما يكون مشروعا لهم، لكنه زهو سيتلاشى بمرور الزمن.
وماأثاره هذا الإعلان من شعور بالغبن والغضب لدى بعض الذين لم تتضمن تلك القوائم أسماءهم حق ربما يكون مشروعا لهم أيضا، لكنه شعور سيتلاشى هو الآخر بمرور الزمن.
ما سيبقى خالدا في ذاكرة الوطن هو مدى الجدية والمسؤولية اللذين سيتعامل بهما الجميع مع هذه الخطوة المهمة لوضعها في مسارها الصحيح، لا فرق بين من كان داخل هذه القوائم أو خارجها. هذا هو ما نأمل أن نراه في المرحلة المقبلة من العمل الوطني.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com