تتصاعد الحملة وتتزايد الدعوات، في واشنطن، المطالبة باستقالة وزير الدفاع رامسفيلد. كما تتوالى الضغوط على الرئيس بوش، ليس فقط من جانب خصومه بل أيضا من جانب بعض أركان حزبه في الكونغرس، للتخلي عن الوزير واستبداله بآخر، يقوم بترميم تركته بسبب النقمة على سيد البنتاغون، سوء إدارته لحرب العراق.

مما أدى إلى الورطة الأميركية الراهنة هناك. المآخذ عديدة، يقولون، عليه. تتراوح بين العناد والتفرد بالرأي وبين إصراره على تقديم صورة متفائلة عن الأوضاع الأمنية هناك؛ مروراً بالفشل في إعطاء التوقعات المسبقة عما ستكون عليه الأحوال، بعد الاحتلال، على صعيدي المقاومة والعنف.

زاد من مطاردة رامسفيلد وتصعيد الهجوم عليه، ما جاء في الكتاب الجديد «حالة نكران»، للصحافي الأميركي المعروف بوب وودوورد؛ الذي كشف عن معلومات تشير إلى وجود تململ وضيق داخل الإدارة؛ من الوزير في ضوء ما آلت إليه الأوضاع في العراق وتداعيات ذلك على الرئيس بوش ورصيده ـ الذي وصل إلى أدنى ما بلغه رئيس في ولايته الثانية ـ. بل على رصيد الجمهوريين، عشية انتخابات الكونغرس النصفية؛ بعد حوالي شهر من اليوم.

رامسفيلد شخصية مثيرة للجدل، داخل وخارج الولايات المتحدة. بحكم منصبه، هو المدير العام للحرب على العراق. وهذه الأخيرة انقلبت إلى كابوس. دخول بغداد السهل تحول إلى غرق في مستنقع.

حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، لذا المعترضون في أميركا ارتدوا على المدير لمحاسبته على الأخطاء وهي عديدة وكارثية. ارتداد مفهوم في ضوء ما حصل ومساءلة مشروعة وطبيعية. وفي هذه الحالة رحيل رامسفيلد، يكون نتيجة طبيعية للاخفاق. وهي حالة لها سوابق في أميركا. وزير الدفاع ماكنامارا ترك بعد الفشل في فيتنام، أيام الرئيس جونسون لكن المطلوب أبعد من الوزير.

رحيل هذا الأخير من دون ترحيل السياسة التي أشرف على تنفيذها، لا يغير في الأمر شيئا. السياسة الخارجية الأميركية؛ هي امتياز للرئيس. وزير خارجيته يقوم بوضعها موضع التنفيذ يشارك في صياغتها. لكن الكلمة الأخيرة للبيت الأبيض.

والرئيس بوش بالذات حرص، منذ البداية، لوضع بصماته بصورة واضحة على سياسة إدارته الخارجية. والايديولوجيا عنده لها حضور قوي وعميق على سياساته. يعزز هذا الحضور ويؤكده وجود نائب الرئيس تشيني؛ كأحد أبرز النافذين في مطبخ القرار الخارجي. والمعروف ان الرئيس متشبث بوجود الوزير رامسفيلد على رأس البنتاغون. وحتى، كما قيل، بالرغم من نصيحة والده وزوجته. وذلك يشير إلى مدى تمسكه بقناعاته، التي يعتبر ان الوزير المثير للجدل، أفضل المؤتمنين على ترجمتها الميدانية. على رأسها عقيدة الحرب الاستباقية.

هنا يكمن الخلل الاساسي في السياسة الخارجية الأميركية وليس في وزير الدفاع رامسفيلد. الاطاحة به من غير التخلي عنها، لا يقدم ولا يؤخر. والرئيس بوش يدرك ذلك. ولذلك هو يضرب كل الاعتراضات على وزيره بعرض الحائط. ولغاية رحيل المعادلة كلها. بعد نيف وسنتين، ليس ثمة ما يشير إلى أن في جعبة واشنطن بضاعة من صنف آخر. إلا إذا حزمت المنطقة أمرها واضطرتها إلى مراجعة حساباتها.