تحت أي واجهة يمكن ان يتستر مثيرو الفتن وصانعو التطرف وتجار الحروب في الغرب وهم يقفون موقف المتفرج - إن لم نقل المحرض - من وقاحات أولئك الرعاع الدنماركيين الذين تجاوزوا كل الخطوط الحمر في التطاول على المقدسات وحطموا آخر أسس التعايش بين الحضارات والأمم، بعد ان غذت حقدهم وفجورهم خطابات قادتهم السياسيين والكنسيين من رئيس أعظم قوة سياسية وعسكرية في العالم الى بابا أكبر سلطة كنسية ودينية، فيما بدا أقرب الى الحرب الدينية المبيتة والمنظمة منه الى الاخطاء العابرة والزلات غير المتعمدة.
في الدنمارك، ظهرت الرسوم الكاريكاتورية المسيئة الاولى قبل عام وأدت إلى استفزاز مشاعر المسلمين وأثارت عاصفة من الاحتجاجات العنيفة والغضب العارم في العالم الاسلامي، وتنصلت الحكومة الدنماركية وقتها من الاعتذار متذرعة بحرية التعبير باعتبار الجهة الناشرة صحيفة مستقلة.
فكظم المسلمون غيظهم على مضض رغم الجرح الغائر الذي تركته تلك الرسوم في النفوس، لكن بث هذه الاساءات الجديدة التي تبدو أشد بشاعة على التلفزيون الدنماركي، وورودها في حفل علني برعاية حزب مشارك في الحكومة يسقط كل الاعذار السابقة، ويؤكد الاصرار عليها، ويوحي بأنها تمثل وجهة النظر الرسمية في الدولة، ويدل على وجود تيار يهدف إلى تنفيذ مخططات متطرفة، ويكشف عن نوايا مبيتة لاستفزاز المسلمين ونسف مساعي حوار الأديان والحضارات وأسس تعايش الامم والشعوب، وينذر بمواجهة دينية وحضارية تقوض استقرار العالم وتقوده الى مصير مجهول.
لقد تعددت الدلائل بما لا يدع مجالا للشك على أن الأمر لم يعد مجرد مصادفة، بعد ان بدأت خيوط اللعبة في التكشف وبدأت فصول التصعيد تتوالى عبر تبادل مريب للأدوار بين القيادات الدينية والسياسية والاعلامية الغربية، من «زلات بوش» حول «الحرب الصليبية» و«الفاشية الاسلامية»، الى الرسوم المسيئة الاولى الى اساءات بابا الفاتيكان واصراره عليها واهاناته للمسلمين عبر اتهامهم باساءة الفهم بدل الاعتذار، الى الصور الجديدة.
من حق المسلمين - والحالة هذه - ان يظهروا كل أنواع الغضب لتطاول الحاقدين على مقدساتهم وان يطالبوا بمعاقبة وردع كل المسيئين الى مقام رسولهم الأكرم صلى الله عليه وسلم. وعلى المنصفين والحكماء في الغرب ان يتدخلوا بسرعة لوقف سفهائهم ومحاربة متطرفيهم الذين يزرعون الحقد والارهاب، وان يتجهوا للقضاء على الاسباب الحقيقية لما يصفونه بالتطرف بدل التشدق بمحاربته عبر مغامراتهم العسكرية الفاشلة ومهاتراتهم الاستفزازية اليائسة.