لا تحل القضايا الوطنية بالحشد الجماهيري، والخطب العاطفية، كنوع من الرد على المناوئين والخصوم، وما يجري في لبنان وفلسطين تجسيد لهذا الفعل الانفعالي، والذي تحول إلى صيغ تقطيع للمجتمع الواحد، صاحب القضية الواحدة.

في لبنان شاهدنا كيف حشد أنصار (14) آذار (مارس) جمهورهم في بيروت في تظاهرة صاخبة معتبرة مشروعها الوطني هو الأكثر إيجابية في حل تناقضات الوضع المتردي في كل لبنان، ولاستعراض القوة، قام حزب الله بحشد جماهيره في تظاهرة كبيرة وسط خطب ونداءات، وكلا الطرفين يتحدث عن حل توافقي، لكن، بعد اللقاء يتبدد كل شيء، إلى أن عصفت الحرب الأخيرة بكل ذلك وبدأ أسلوب آخر يطغى على المشهد العام، المنتصر الذي يدعي هزيمة إسرائيل.

والمنتقد الذي يرى أن الحرب جاءت كمغامرة دمرت ما بناه اللبنانيون وخرقاً للشرعية والقانون، وحتى يتفق الخصوم على فصل جديد، إما بقطع الصلات، أو الاتفاق على حل وطني، فإن جميع الرياح تتجه لأن تكون عواصف، وربما تجرّ معها الدمار الشامل.

في فلسطين لا يوجد بيت (فتحاوي) أو (حمساوي)، إلا وفيه شهيد أو سجين في إسرائيل، وعندما تمت الانتخابات الناجحة تنظيماً ونزاهة في فوز حماس، استبشر كل مواطن عربي أن الرقي العقلي الذي صاحب تلك الانتخابات لابد أن يجرّ معه عقد سياسي يوحد الفصائل الفلسطينية، لكن ما جرى كان العكس، أي أن تجميع المواطنين الذين ينتمون لحماس في مظاهرات صاخبة مؤيدة للوزارة القائمة، وأعضائها، ومنادية برفض كل ما قامت به فتح، وتحويل الخلاف إلى مهاترات علنية تلقفتها وسائل الإعلام المرئي، والمسموع، والمكتوب، بدأت تشكل إنذاراً خطيراً بأن الموضوع خرج من أيدي القيادات إلى الشارع، وهنا قد تحدث صدامات تؤدي إلى حرب أهلية تؤججها تفاعلات الأحداث وتغذيها أقوال المسؤولين في قيادتي الفصيلين المتنازعين.

المطلوب ليس عرض القوة الشعبية لأي منهما، وإنما إدراك مخاطر الانحدار السياسي لشعب يعاني كل وسائل التجويع والقهر، والموت، والمسؤولية هنا لا تقع على الحكومة، أو من يختلفون معها، حين سقط الجميع عند الوصول إلى السلطة، وتحولت الانقسامات إلى تباعد في المسافات بين ما هو سلوك عقلاني، وآخر انفعالي.

والمأساة أن كل من تناوبوا على بسط آرائهم في محطات الفضاء العربية لديهم الوعي المتكامل، والشعور التام بمأساة مواطنيهم، لكن أسلوب القول بتجاوزات ذاك الطرف، والآخر الرافض لها، هو الذي أوصل الآراء والقيادات، إلى خط نار ساخن، والمؤلم في الأمر، أننا لا نجد خلافات جوهرية تفصل بينهما إلى حد القطيعة.

إذ المطلوب ليس طلب شهادة حسن السيرة والسلوك من الشارع، وإنما الشجاعة باتخاذ القرارات الجماعية التي تراعي المطالب الملحة بتحقيق الأمن، وتوفير المتطلبات المعيشية، والارتقاء بأسلوب التعامل إلى فصل هذه القضايا باجتماع يضم كل القوائم الحزبية والمنظمات الأخرى، لا أن نعيش مشهداً يقربنا من أفكار الأميين والمتطفلين على السياسة، في الوقت الذي نرى مؤهلات القيادات الفلسطينية ترقى على غيرها بالوطن العربي تعليماً وثقافة وممارسة للعمل النضالي والسياسي.