أن تكون «معتدلاً» و«بنّاء» اليوم هو أن تقبل «الآخر» المختلف عنك في النظرة والتفكير والمنهج والنظام، كما هو ولا تسعى لتغييره بالقوة أو بالتهديد بها مهما كان الثمن! هذا ما أبلغه وزراء الخارجية الستة من مجلس التعاون الخليجي للسيدة كوندوليزا رايس في اجتماعهم الأخير معها في القاهرة

كما ورد إلى أسماعنا بالتواتر ونحن نقيم ندوة حوار جد إيجابية في عاصمة التوازن والتعادل العمانية مسقط الأسبوع الماضي حول «العلاقة العربية ـ الإيرانية التكامل والتباين بين السياسة والاقتصاد»، وحسناً فعل الوزراء المعنيون كما نتمنى أن يكون وزيرا خارجية مصر والأردن قد أبلغا السيدة رايس الموقف نفسه.

وحدهم «المتطرفون» و«الهدامون» هم الذين يصرون على اعتماد منهج التلويح بالقوة بل واستخدامها في الغالب في إطار منهج «الضربة الاستباقية»، ويظنون أنهم قادرون على فرض قناعاتهم ومناهجهم الفكرية على الآخرين من خلال منطق القوة واعتماد سياسة السيف المسلط على الرقاب وسيلة لثني خصومهم عن المضي فيما يعتبرونه حقاً من حقوقهم المشروعة أو التسليم بشروط المستقوي بالنظام الأحادي الاستقطاب والنزعة في العلاقات الدولية!

قلت حسناً فعل وزراء مجلس التعاون وحسناً قالوا عندما رفضوا «الانضواء» في أي حلف إقليمي أو دولي يراد له إعادة إنتاج حروب عبثية جديدة أو مزيد من دورات العنف التي لا تنتهي أو إشاعة مشروع للفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية المتنقلة،

ذلك لأن هذه الدول لم تعد يقبل أن تتحول إلى دافع ضرائب لماكينة حروب مجنونة جديدة، أو وقود رخيص لتحقيق مآرب أصحاب المصالح الكبرى من دول المترويول من تجار الحروب والمروجين للصناعات الحربية العظمى على حساب التنمية البشرية المحلية.

لم يعد العمانيون الذين اجتمعنا معهم في الندوة المباركة تلك وحدهم وان لا يزالون في الطليعة، ممن «يتحفظون كل التحفظ» حول النداءات الواصلة إليهم من بعيد ومن وراء البحار وهي «تطالبهم بشد الرحال» إلى حلف «مقدس» يراد له إشاعة «ثقافة» اقتتال الاخوة تحت ذرائع شتى من مكافحة «الإرهاب» إلى استئصال «الأصولية» إلى محاربة «المتطرفين» و«الراديكاليين»!

إن كل سكان هذه «البحيرة» الخليجية المتشاطئون بحب وسلام واحترام متبادل للتنوع والتعدد في إطار الوحدة صار لسان حالهم يقول ما يلي: (وهي توصيات تلك الندوة المباركة): 1 ـ إن مصيرنا الواحد مهما كانت قراءتنا لهذا المصير متفاوتة، فنحن نركب سفينة واحدة إما أن ننجو جميعاً أو نغرق جميعاً.

2 ـ إنه لا حل لمشاكلنا واختلافاتنا مهما بدت عصية على الحل، يأتي من الخارج أو يطفو على السطح هكذا بقدرة قادر ما لم نقدم بأنفسنا على اجتراح الحلول. 3 ـ إذا أردنا التعاون البناء فلا بد أن نأخذ المعلومة الصحيحة عن بعضنا البعض من مصادرها المباشرة ومن ثم توزيعها توزيعاً عادلاً على ضفتي «البحيرة» التي تجمعنا.

4 ـ إنه من الممكن جداً أن نتعاون في حدود الحد الأدنى مهما كانت اختلافاتنا «كبيرة» ونستطيع أن نتجاوز كل المعوقات إذا ما توفرت الإرادة السياسية الواعية لقياداتنا مدعومة بنخبنا الواعية والرشيدة. 5 ـ انه حرام علينا جميعاً من بعد كل الذي عانينا منه بسبب الحروب العبثية والمجنونة التي فرضت علينا خلال العقود الأخيرة أن نلجأ للعنف وسيلة لحل الاختلافات أو الخلافات أو الملفات العالقة تحت أية ذريعة كانت (ميثاق تحريم دم المسلم على المسلم ودم العربي على العربي والجار على الجار).

6 ـ إنه من المحرم التعامل مع أي طرف من الأطراف قوته الذاتية أو المستوردة أو المكتسبة كبيراً كان أم صغيراً منفرداً كان أم منضماً إلى تجمع إقليمي أو دولي، استعمال هذه القوة لأن يحول بلده إلى مقر أو ممر للأضرار أو الضغط على أي طرف جار آخر أو العمل للاطاحة به أو الاستقواء عليه لفرض نسخة من نظامه أو منهج حكمه. 7ـ أن يقبل كل طرف الطرف الآخر كما هو بحسناته وسيئاته محترماً خصوصياته وخصوصيات علاقاته وتحالفاته الاقليمية والدولية مادام لا يستخدمها ضد جاره أو شقيقه أو صديقه.

8 ـ أن يبقى الحوار هو الفيصل الدائم لمعالجة كل جديد وأن تبقى طاولة المفاوضات هي الميدان الوحيد الذي تتبارى فيه في الآراء والأفكار والاختلاف في الرأي وأن يكون «سلاحنا» الدائم هو التشاور والمصارحة والمكاشفة بخصوص كل جديد يطرأ علينا أو نتوصل إليه.

9 ـ أن نعمل جاهدين متآخين وإن كنا مختلفين في الرأي أو في الطرق للوصول إلى ما نريد، حول قضايا الأمة الأساسية التي تجمعنا في كل من فلسطين ولبنان والعراق في إطار «لجنة حكماء» من أهل الحل والعقد يتم اختيارها لتكون في اجتماع تشاوري دائم لأجل «إعادة العراق» إلى أهله وفضائه ودائرته الحضارية التي يستحق موحداً متحداً غير منقوص السيادة أو الاستقلال والحرية كما يحب ويريد أغلب أهله المغلوب على أمرهم،

ومن أجل إيجاد «تسوية» توافقية للبنان الممتحن والمبتلى هذه الأيام ببوادر «فتنة» التدويل والاستقواء عليه من خارج سياقاته الطبيعية ومن أجل فلسطين عزيزة قوية واحدة متحدة ترفض الإذعان والاحتلال وخطر الحروب وفتنة الاقتتال الداخلي.

10 ـ أن نقدم وبشجاعة وثقة وعلم ويقين للانتقال عملياً بالعلاقة الراهنة بين ضفتي «البحيرة» الخليجية التي تضمنا كبحيرة مغلقة ملكاً لأهلها كما يقول القانون الدولي من عالم مليء بالتوتر والتشنج والاستقطاب السياسي والأمني الكاذب والتلوث البيئي الكارثي المحدق وأوهام الخطر المزعوم القادم من الضفة الشمالية إلى علاقة وديعة وهادئة وواعدة تقوم على اتفاقيات للتجارة الحرة والتكامل الاقتصادي التي نحن أهل الدار والعائلة الخليجية الواحدة نستأهلها أكثر من الآخرين القادمين من بعيد،

وأن نجعل إعادة بناء الإنسان العربي والمسلم الهدف الأول نصب أعيننا، لأنه رأس المال الأهم الذي ينفعنا حكاماً وشعوباً في العاجل من الخطط والآجل منها، فهو خليفة الله في الأرض وهو كما يقول المثل الصيني: إن كنت تريد تنمية لسنة واحدة فازرع أرزاً. وإن كنت تريد تنمية لعشرة سنين فازرع شجراً. وإن كنت تريد تنمية لقرن من الزمان فازرع إنساناً.

انه الإنسان العربي والمسلم الذي أحوج ما يكون إلى مثل هذه الزراعة الخصبة والجديرة بأن تشكل «أحلافنا» الأخوية والحميمة من حولها، وذلك أن هذه الزراعة والتنمية الخلاقة والمبدعة هي الكفيلة بالقضاء على العنف والتطرف والعصيان والارهاب والقتل والدمار من جذوره، وليس «الحروب الاستباقية» التي يراد فرضها علينا فرضاً لغاية في نفس «يعقوب» وليس لموسى أو عيسى أو محمد أي دخل أو فائدة فيها

كاتب إيراني