جاءت الذكرى الثالثة والثلاثون لنصر السادس من أكتوبر هذا العام وسط تفكك عربي لم يسبق له مثيل،وفي أعقاب عدوان إسرائيلي على لبنان وسط صمت الأنظمة التي بارك بعضها للأسف محاولات الآلة العسكرية الإسرائيلية تركيع حزب الله والقضاء عليه، غير أن الصمود البطولي لرجال الحزب افشل تلك الرغبات وبدد النوايا السيئة التي افتضح أمر أصحابها.
كما تأتي ذكرى أكتوبر 1973 في ظل اقتتال فلسطيني بين حركتي فتح وحماس، تجاوز الخطوط الحمراء الذي طالما حذر الغيورون على مسيرة الشعب الفلسطيني من الوقوع في مستنقعه، لكن رأينا كيف وجهت الرصاصات الفلسطينية في غزة إلى صدر الفلسطيني ذاته بدلا من توجيه تلك النيران إلى مكانها الصحيح، باتجاه عدو غاصب للأرض، وحتى لا يشمت أركان هذا العدو على نحو ما جرى.
وفي العراق تبدو الصورة أكثر مأساوية، في ظل مخاوف حقيقية من اندلاع فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر في أية لحظة ، بعد أن تحول القتل على الهوية عملا يوميا، يخلف عشرات الجثث المجهولة، فيما الصراع السياسي على أشده بين القائمين على حكم بغداد بشأن العديد من القضايا وفي مقدمتها وجود الاحتلال ذاته ، فضلا عن الفيدرالية وتقاسم الثروات بين الأقاليم وغيرها من الأمور التي تقبع فوق النار والبارود.
ولا تقل المخاوف على مستقبل السودان ونحن نرى كيف تتكالب الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة لفرض نشر قوات دولية في دار فور، من اجل الحصول على موقع قدم في المنطقة وان كان تحت غطاء منع الحرب الأهلية والدفاع عن المشردين من أبناء الإقليم المنكوب. وبدلا من دعم القوات الإفريقية على غرار تعزيز قوة يونيفيل في لبنان، تتعنت الولايات المتحدة ولا تكف عن التلويح باللجوء إلى استخدام القوة لفرض الجنود الدوليين الذين تعتبر الخرطوم نشرهم انتهاكا لسيادتها.
ومن دارفور إلى مقديشو، يستمر النزيف على الأرض العربية، مع استمرار الشد الجذب بين المحاكم الإسلامية والحكومة المؤقتة ، دون أن يلوح في الأفق اتفاق يعيد إلى الربوع الصومالية الأمن المفقود منذ نحو ثلاثين عاما، في بلاد يحلم أبناؤها بيوم ينعمون فيه باللقمة الكريمة والحياة الطبيعية التي ينعم بها البشر في أرجاء العالم الفسيح.
وفي خضم هذا الكرنفال المقبض عربيا نتساءل أين روح أكتوبر التي صنعت النصر، وهل كان الرجال الذين خاضوا الحرب ورفعوا راية الانتصار العربي، يدركون أن كل شيء يمكن أن يتبدد بعد ثلاثة عقود فقط، تحولت فيها الأرض العربية إلى ساحة، لانتهاك السيادة باحتلال العراق، وإملاء الشروط للاعتراف بإسرائيل عنوة،بخنق حماس، وحصار سوريا وتهديد السودان؟!
روح أكتوبر التي جمعت العرب من المحيط إلى الخليج ، وكانت سببا في تحقيق النصر، هل أصبحت ذكرى يوما عابرا يصعب تكراره، في السجل العربي المليء بالخيبات في السنوات العشرين الأخيرة على الأقل؟!
جميل أن نحتفل بالنصر ونجعل منه عيدا قوميا، لكن لماذا لا نتساءل عن الأسباب التي جعلت من هذا النصر شيئا صعب المنال في الوقت الراهن؟ الم تكن السياسات التي طبقت في السنوات التي تلت أكتوبر 73 وراء هذا الترهل في الأداء ، والتراجع في المكانة؟!
لا نريد اجترار الأحزان على الواقع العربي المؤسف أكثر من ذلك، فرغم هذا الوضع المزري لا يزال هناك بصيص أمل في استعادة ولو جزء يسير من روح أكتوبر يمكن البناء عليه ، ولعل البشائر التي لاحت في جنوب لبنان، والصمود الأسطوري للمقاومة على مدى أكثر من شهر، حافز على نفض التراب المتراكم عن الصورة الحقيقية للإنسان العربي القادر على صنع المعجزات إذا خلصت النوايا، واتسقت السياسات مع طموحات الشعوب ورغبتها في التقدم والتطلع إلى الأمام.
جوهر ما جرى ظهر السادس من أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية، أبدا لن يكون بيضة الديك المستحيلة، مهما تربص المتربصون وفرط المفرطون، لان ما تصنعه الشعوب بدمائها وأرواح شهدائها لا يمكن أن يمحى وان علت الغيوم السماء في بعض الأوقات.