توسع جديد، بعد التوسع الأخير والأكبر في تاريخ الاتحاد الأوروبي مع انضمام عشر دول جديدة في مطلع مايو 2004، توسع جديد أعلنت عنه المفوضية الأوروبية بعد استيفاء رومانيا وبلغاريا لمعايير الانضمام ودخولهما إلى البيت الأوروبي في مطلع العام المقبل. ذلك رغم ان البعض يعتبر انه كانت هنالك مرونة واضحة عند النظر في استيفاء معايير الانضمام للدولتين الأخيرتين.

ولكن مع كل توسع تثار من جديد إشكالية التوسع أو التعميق أولا والمفهوم الأخير يعني بلغة الاتحاد الأوروبي إحداث مزيد من الاندماج على صعيد المؤسسات الأوروبية، وذلك قبل الولوج في توسع جديد لاستيعاب ما سبقه على كافة الأصعدة وخاصة الاقتصادية التنموية ذات التكلفة المادية المرتفعة جدا.

هنالك خوف دائم ان تثقل عملية التوسع المستمرة الآلة الأوروبية المعقدة أساسا وتبطئ حركتها وان تشل عملية الاندماج في بعض المجالات مع ازدياد عدد أعضاء «النادي» وازدياد الخيارات وبالتالي في عملية حسابية بسيطة ازدياد العقد في آلية التوصل إلى اجماعات تترجم الى قرارات مما ينعكس على مدى قدرة الاتحاد الأوروبي في التحول إلى قطب سياسي على الصعيد العالمي.

كما ان التعميق او الاندماج وحصول إنجازات في هذا المجال تسمح بعد ذلك بالتعامل مع كل موجة انضمام جديدة بشكل أكثر فعالية وأكثر قدرة على استيعاب الداخلين الجدد في إطار مؤسسات وادوار ووظائف قائمة ومستقرة وناشطة.

ولذلك يدق خوسيه باروسو رئيس المفوضية الأوروبية جرس الإنذار حين يدعو إلى وقفة أو استراحة محارب بعد انضمام رومانيا وبلغاريا. وقفة أوروبية مع الذات تهدف إلى تقويم شامل لحالة الاتحاد الأوروبي وعمليات الاندماج المستمرة والمعطلة بعد ان يصل عدد أعضائه في مطلع هذا العام إلى 27 عضو ويصل عدد سكانه إلى نصف مليار شخص تقريبا..

لكن ذلك كله يثير إشكاليتين أساسيتين: أولا، ابعد من الوقفة مع الذات وفترة الانتظار المفتوحة، يبقى السؤال قائما حول حدود أوروبا السياسية أو أقصى ما يمكن ان يتوصل إليه التوسع فهل تنضم مثلا روسيا الاتحادية في مرحلة لاحقة ولو بعيدة إلى الاتحاد الأوروبي أم تتوقف حدوده على بوابة القطب الدولي الأوروبي الآسيوي ثم ما هي إنجازات التعميق التي يجب تحقيقها قبل المضي مجددا في عملية التوسع اذا أخذنا بعين الاعتبار بالطبع شروط ومعايير التوسع العامة والقائمة.

وفي السياق ذاته تطرح مسألة انضمام دول البلقان، الدول المولودة من جديد من رحم انفجار وبلقنة الدولة الإمبراطورية اليوغسلافية حيث يعتبر البعض ان هنالك معيارا أساسيا يجب أن يتفوق على غيره من المعايير«الفنية» للإسراع في انضمام هذه الدول لأسباب استراتيجية وهو معيار استقرار هذه الدول واستقرار جوار الاتحاد الأوروبي الأقرب ضمن أوروبا وكون الانضمام أيا كانت تحدياته يبقى عنصرا أساسيا في تشجيع وتدعيم الاستقرار.

ويرى البعض الآخر انه يمكن ملء فترة الانتظار هذه أو ربما إيجاد بديل عملي عن العودة للتوسع من خلال إنشاء كومنولث أوروبي يشكل إطارا لخلق شراكة وأطر تعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأخرى المرشحة دائما للانضمام إليه.

ثاني هذه الإشكاليات يتعلق بالمشكلة التركية التي وان خضعت للاعتبارات والمعايير الفنية ذاتها التي تعنى بانضمام الآخرين إلا أن لها خصوصياتها التي يمكن اختصارها بالاختلاف الديني بين تركيا وأوروبا في لحظة تاريخية تزيد أحداث وحوادث وعناصر الصدام أو سوء التفاهم او سوء الفهم ذات العنوان الثقافي الديني،

والتي هي أحيانا نتاج تعميم وإسقاط وقراءة اختزالية للأحداث والحوادث ونظرة تبسيطية للآخر في علاقات معقدة بين العالمين الإسلامي والغربي، تزيد هذه الأحداث من حدتها. صدام أو سوء فهم يحذر من حصوله بشكل متكرر مؤخرا الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وهو تحذير شكل أحد أهم عناصر الدعوة للتعامل بمرونة مع إيران.

ويمكن القول انه مع كل حادث او حدث يرتبط او يربط بالعالم الإسلامي وبالإسلام بشكل أو بآخر تأتي صورة الخلط والتعميم عن عمد عند البعض وعن جهل عند البعض الآخر لإثارة موضوع «الإرهاب الإسلامي»، ذلك كله يساهم في ازدياد الصعوبات والتعقيدات أمام انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي اذ تجري إسقاط تلك الصور السلبية المشار إليها على تركيا الديمقراطية و«الغربية» و«الأطلسية»

خاصة ان من يحكم تركيا حاليا هو حزب إسلامي ورغم ان هذا الحزب بسلوكياته ومنهجه يفترض ان يشكل نموذجا للطمأنة حول الدور الممكن والطبيعي للأحزاب الاسلاموية في السلطة ويفترض ان يكون مثالا ناجحا ولو انه لا يمكن الحديث عن نموذج تركي يمكن تعميمه على دول أخرى لاختلاف التجربة التاريخية السياسية الاجتماعية التركية عن غيرها.

ولكن رغم الترحيب الحكومي الرسمي الذي صار فاترا عند البعض في أوروبا بالانضمام التركي إلا أن هنالك حالة من الابتعاد وازدياد الرفض المتبادل الأوروبي التركي على الصعيد المجتمعي. أمام هذا التأزم نسمع عن خيارات أخرى للخروج من مأزق الالتزام الأوروبي القديم والمتراجع عنه بشأن الانضمام التركي:

منها خيار التأجيل المفتوح وخيار إقامة علاقات مميزة او شراكة مميزة مع تركيا كحل وسط بين العضوية او علاقات التعاون «العادية» التي تندرج في إطار العلاقات التي يقيمها الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار القريب أو الأبعد. كما نسمع رأيا «استراتيجيا» يعتبر ان دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يجعل أوروبا طرفا ذات دور وتأثير اكثر مباشرة

وربما تورطا في السياسات الشرق أوسطية من خلال الحدود الجديدة لأوروبا مع الشرق الأوسط المأزوم والمشتعل في حين هنالك رأي استراتيجي اخر حامل لتحذير من مخاطر أبعاد تركيا، وقد عبر عنه يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني السابق حين تحدث عن مخاوفه وتساؤله من حصول صدام تركي أوروبي قد يدفع بتركيا لإقامة تحالفات مع روسيا وإيران. مسألة الانضمام التركي تتنازعها مفاهيم إستراتيجية وثقافية في صياغة الموقف والرؤية الأوروبية الى مستقبل علاقات أوروبا مع تركيا.

واذ تبدو أوروبا كمشروع بناء كبير تعطل بعد الاستفتاء الفرنسي في مايو 2005 ضد مشروع الدستور الجديد او علق العمل في هذا المشروع إلى إشعار آخر تشهد أوروبا حوارات على كافة المستويات وفي كافة الأطر ولكن بشكل أكثر واقعية حول كيفية إعادة تحريك قطار البناء الأوروبي ولو بسرعة أبطأ وعلى سكك أكثر تواضعا مثل الحديث عن أوروبا المشاريع أو أوروبا بعض القطاعات الاقتصادية الأكثر قابلية للتعاون.

اذ نسمع ذلك كله نشاهد أيضا مزاجا تغييريا في أوروبا سببه القلق من أزمات اقتصادية متكررة من مسبباتها الأساسية التداعيات والتحولات التي أحدثتها العولمة في اقتصادات هذه الدول وقدرة هذه الاقتصادات على التكيف مع هذه التحولات. مزاج تغييري دلت عليه نتائج الانتخابات التي جرت في العامين الأخيرين في اوروبا حين سقط اليسار

حيث كان يحكم كما سقط اليمين حيث كان يحكم ايضا. نشاهد مظاهر قلق أوروبي من مسسباتها انضمام أوروبا الفقيرة الى أوروبا الغنية والطاقة العمالية التنافسية الكبيرة للأولى وكذلك المخاوف «الثقافية» من بعض الهجرات الإفريقية والإسلامية والعربية رغم ان اوروبا تعاني من مشكلة التناقص الديموغرافي وهي تشيخ وتبقى بحاجة لدماء جديدة ومتجددة.

كما ان هنالك القلق المتزايد من تعطل او فشل عمليات الاندماج المجتمعية في الدول الأوروبية بين المدينة وضاحيتها بالمعنى الاجتماعي والثقافي وليس بالضرورة الجغرافي فقط لتلك الضاحية. انشغال وقلق ومحاولات إعادة تموضع للاتحاد الأوروبي على الصعيدين الأوروبي والدولي في ظل الحاجة ومعها القناعة ولو المتأخرة بإعادة اطلاق عملية البناء الأوروبي بشكل مبتكر واكثر تواضعا تلافيا للسقطات التي شهدتها هذه العملية مؤخرا كلها عناصر تشكل جدول أعمال ضاغط ومليء بالتحديات لأوروبا أساسا ولكن لجوارها بشكل خاص

كاتب لبناني