عندما كتبت هنا عقب الإعلان الأول عن اتفاق تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية متسائلاً : هل هي الوحدة.. أم هدنه الاخوة الأعداء ؟ عاتبني الكثيرون ممن كانوا يستبشرون خيراً بهذا الاتفاق، ويتصورون ان مرحلة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني قد بدأت، وان كابوس الانقسام الداخلي قد انتهى إلى غير رجعة،

و كم كنت أتمنى ان أشارك المستبشرين نظرتهم المتفائلة، وأنا الذي أدرك جيداً حجم المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية وحجم المعاناة التي يقاسي منها شعبنا العربي الفلسطيني تحت الاحتلال وحصار التجويع، وحجم ما تعنيه الوحدة الوطنية لهذا الشعب الصابر المجاهد، ولنا جمعياً نحن الذين نؤمن ان مصير المنطقة كلها معلق على ما يجري على أرض فلسطين،

لكن الحقائق كانت اقوى من الأمنيات، وهي التي جعلت الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية لا يصمد إلا لساعات ثم يعود الأمر إلى نقطة الصفر، وبعدها إلى ما هو أسوأ حيث الصدام المسلح والدم الفلسطيني الذي لم يعد محرماً على البندقية الفلسطينية.

والمشكلة هنا لا تعود إلى النوايا الطيبة، وإنما تعود إلى ان الحديث عن حكومة الوحدة الوطنية الآن هو فعل ضرورة وليس فعل اقتناع، وان الطرفين اللذين يخوضان المفاوضات من اجل هذه الحكومة ينطلقان من الظروف الضاغطة ومن إدراك أن الظروف التي يعيشها المواطنون تحت الحصار وإذلال الاحتلال لم يعد ممكنا احتمالها، وانه إذا كانت حكومة الوحدة الوطنية سترفع هذا البلاء فلا بأس من دخول التجربة.

وهكذا جرى الاتفاق الذي جسد الرغبة في رفع البلاء ولو لالتقاط الأنفاس، ولكنه لم يكن يخفي الحقائق الأساسية التي كانت ومازالت تحكم الأوضاع الفلسطينية وأولها أن الخلاف في أساسه هو خلاف بين منهجين : منهج أبو مازن أحد مهندسي أوسلو والذي مازال يراهن على إمكانية التسوية السلمية بعد 15 سنة من مسيرة « سلام الشجعان» وفقاً لتعبير أبو عمار رحمه الله،

وبعد سنوات من خريطة الطريق وانفراد أميركا بالملف رغم فداحة الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني. ثم منهج حماس التي رفضت طويلا أوسلو وملحقاتها ثم فجأة غيرت استراتيجيتها وقررت دخول الانتخابات التشريعية لتترجم نفوذها على الساحة إلى نفوذ سياسي في الداخل تمهيداً لترجمته لاحقاً في حجمها داخل منظمة التحرير الفلسطينية حين تشارك في عضويتها كما هو مقرر.

لكن المفاجأة جاءت مع فوزها بالأغلبية وسيطرتها على البرلمان الفلسطيني ثم على حكومة السلطة، ولتضع الجميع في مأزق كانت هي نفسها أول من يواجهه. فقد أصبحت حماس الشريك الأساسي في السلطة التي قامت بمقتضى اتفاقيات أوسلو التي مازالت تعارضها (!!)

ووجدت حماس نفسها مطالبة بان تدخل القفص الذي دخلته فتح قبل ذلك ودفعت ثمنه غالياً حين قبلت ان تدفع (بمقتضى اتفاقات أوسلو ) كل الثمن المطلوب منها مقدماً، ثم تترك كل حقوق الشعب الفلسطيني محلاً للتفاوض المؤجل الذي لم يثمر شيئا طوال خمسة عشر عاماً إلا سلطة فلسطينية وهمية لا تملك من أمرها شيئاً له قيمة.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن مجيء حماس إلى السلطة، ترافق مع إنجاز الاخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري، ومع دعوة أميركية انطلقت وقتها لاستيعاب التيارات الإسلامية المعتدلة في العملية السياسية لعزل الاتجاهات المتطرفة. ومن هنا كان الشرط الأميركي الأساسي للتعامل مع حكومة حماس هو الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات السابقة.

وكانت واشنطن تنطلق من ان هذا وحده هو الذي يمهد الطريق للسير في عملية التسوية السياسية التي كانت ترى ان الظروف تنضج لوضعها موضع التنفيذ وبحيث تكون تسوية تلبي كل المطالب الإسرائيلية وتترجم موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل.

من جانبها كانت «حماس» تتصور أن بإمكانها ان تمسك بكافة الأوراق، فتترجم الفوز الذي حققته في الانتخابات بالسيطرة على السلطة وإنهاء ما تبقى من نفوذ «فتح » وفي نفس الوقت ترفض دخول القفص الذي دخلته « فتح» منذ أوسلو وذلك برفض الاعتراف بإسرائيل ورفض الالتزام بالاتفاقات التي وقعتها السلطة الفلسطينية في السنوات الماضية.

تأتي رايس إلى المنطقة للتعامل مع آثار الحرب على لبنان وتداعيات الموقف في المنطقة وبعد الإعلان ان هناك تسليماً أميركياً بأنه لا سلام ولا استقرار في المنطقة ما لم يتم تسوية القضية المركزية في فلسطين. ومن هنا تضع رايس عنواناً أساسيا لجولتها وهو دفع عملية السلام لكن المشكلة تكمن فيما يخفيه العنوان الذي تعودنا على قراءته كلما واجهت أميركا أزمة في المنطقة أو استعدت لكارثة جديدة !

إن السؤال هنا هو : إذا كانت أميركا جادة في هذا السبيل، فلماذا لم تقف مع الطرح العربي في مجلس الأمن مؤخراً ؟ ولماذا لم تعلن موافقتها على المبادرة العربية التي تقدم أقصى التنازلات العربية وتوفر الشروط لتسوية تضمن أمن إسرائيل بل تضمن اندماجها في المنطقة ؟

والإجابة أن «دفع» عملية السلام من وجهة النظر الأميركية لا تعني إلا «دفع» بضعة ملايين لرفع أعباء الحصار المضروب ظلماً على الشعب الفلسطيني، و«دفع» الطرفين الأساسيين «حماس» و«فتح » إلى الاقتتال الداخلي، ثم « دفع» الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى مائدة التفاوض الذي لا ينتهي، وذلك بعد وضع حماس بين خيارين :

القبول بالشروط الأميركية او ترك مكانها في السلطة، ووضع «أبو مازن» بين خيارين : العودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتخابات التشريعية والتفاوض دون إقرار بالمطلب الأساس وهو الدولة المستقلة في حدود 67 وحقوق اللاجئين، وإما الانضمام إلى حلف الأعداء وانتظار مصير أبو عمار.

ويبقى الكلام عن دفع عملية السلام مجرد مدخل لما تريده أميركا وما تبحثه رايس، فالمطلوب - كما هو معلن - تحالف يضم دول الخليج ومصر والأردن بدأت الدعوة له باعتباره تحالفاً سنياً يواجه المد الشيعي في المنطقة الذي يمتد من إيران إلى حزب الله.

لكن هذه الدعوة الطائفية واجهت عقبات خاصة بعد ما جرى في لبنان وما لقيه حزب الله من تأييد كبير باعتباره رمزاً للمقاومة العربية وليس الطائفية، وبعد اكتشاف ان التحالف السني تريده أميركا ان يكون في مواجهة «حماس» السنية « ومع حكومة العراق الشيعية !!

الآن تتغير اللافتات وان بقي المحتوى كما هو. فيتحول التحالف « السني» إلى تحالف لـ «المعتدلين» في مواجهة التطرف الذي تمثله حماس وحزب الله وسوريا وإيران، ويتم ربطه بعد ذلك مع الأوروبيين ثم إسرائيل في هذه المواجهة التي تحاول استغلال المخاوف العربية بين القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وعجز طهران عن تقديم التطمينات والضمانات المطلوبة لجيرانها العرب.

ووفقا لهذا التصور الأميركي فإن العباءة الفلسطينية في دفع عملية السلام بإجراءات شكلية ودون حل حقيقي، تخفي وراءها أهدافاً أميركية مطلوبة بدءاً من دعم الحكومة العراقية وتغطية الفشل الأميركي في العراق، إلى الدخول كطرف في الصراع الداخلي اللبناني لإنقاذ حلفاء أميركا من الهزيمة، إلى المساعدة في عزل سوريا أو الضغط عليها لتتخلى عن ارتباطاتها بإيران من ناحية وبحزب الله وحماس من ناحية أخرى والانضمام للتحالف الجديد بالشروط الأميركية.

والمصيبة أن المشروع الجديد يذكرنا بأمرين جوهريين :* الأمر الأول ان الاستراتيجية الأميركية تجاه العرب في أساسها لم تتغير منذ نصف قرن حين واجهنا نفس سياسة الأحلاف التي تستهدف منع العرب من تحقيق نهضتهم والاستيلاء على ثرواتهم وضرب هويتهم.. وحتى الآن تتكرر القصة دون نجاح يذكر.

* الأمر الثاني : ما حدث بعد حرب تحرير الكويت حين تم تكوين تحالف دول الخليج مع مصر وسوريا. ويومها حاربت أميركا هذا المشروع حتى أجهضته في مهده، فقد كانت ـ ومازالت ـ تدرك ان تحالفاً يضم القاهرة والرياض ودمشق هو الركيزة الأساسية لأي عمل عربي مشترك، وهو الخطر الذي تخشاه إسرائيل وترفضه السياسة الأميركية منذ خمسين عاما وحتى الآن !

نقيب الصحافيين المصريين