أثناء انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في التسعينات، لم تتمكن التيارات القومية من بناء قاعدة جماهيرية واسعة، بسبب طغيان النزعات الموالية للغرب، والمتأثرة بالحلم الأميركي. إلا أن ردود الفعل الحادة وغير الطبيعية ضد الروس وعلمائهم في الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومساعي الإدارة الأميركية لتفتيت وإضعاف روسيا، للانفراد بسيادة العالم، والذي أدى لإفقار الشعب الروسي، لعبا دوراً في تنامي هذه النزعات.
كان الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، جورجي الأب، أسيتي الأم، وهو المسؤول الأول عن مسألة القوميات داخل الاتحاد السوفييتي السابق آنذاك. والغريب أن ستالين، الأممي نظريا. لم يستطع الجمع بين الأمتين والشعبين المتخاصمين في شخصه، حل مشكلة أهله وخلافات تلك النزعات. يختلف الأوسيت في أصولهم القومية عن الجورجيين.
فهم هندو أوربيون ومن قبائل قريبة من الشركس، وينطقون بلغة تعود في أصلها إلى الجذر الفارسي. وغالبية الأوسيت في جمهورية الجنوب هم من المسيحيين. إن استمرار التعقيدات القومية، والتشابكات والاختلافات بين مصالح الشعوب التي ورّثها الاتحاد السوفييتي السابق للامبراطورية الروسية قائمة، ووصل بعضها إلى إعلان حالات تمرد، وثورات ملونة.
يعود تمسك روسيا بأسيتيا لأنها تمثل المجال الحيوي للروس في جنوب البلاد، كما أن أسيتيا تعتبر الجسر العابر إلى مياه البحر الدافئة، وكثرة الموارد النفطية المهمة. وتعتبر أسيتيا الشمالية جمهورية ذات حكم ذاتي تابعة للاتحاد الروسي، لذلك تبدو المنطقة أمام مشكلة معقدة ومتشابكة الأبعاد والأطراف. وغير واضحة المعالم.
عندما أخذت دول الاتحاد السوفييتي السابق، تنتفض وتتمرد وتعلن عن نزعاتها الاستقلالية في التسعينات. أخذ الأسيت يصعّدون من مطالبهم بعد حصول جورجيا على استقلالها وخروجها من الاتحاد السوفييتي السابق.
المعروف أن جورجيا، شأنها شأن أوسيتيا الجنوبية والشمالية تقع على السفوح الجنوبية الغربية لجبال القوقاز، هذه المنطقة هي آخر الحدود الجنوبية لروسيا، وتضم دولا سياسية أربع: الاتحاد الروسي، بما يحتويه من عشرات المناطق والجمهوريات ذات الحكم الذاتي، وجورجيا، وأرمينيا، وجمهورية أذربيجان. وهذه الدول الثلاث الأخيرة تضم مجتمعات صغيرة لشعوب وقوميات مختلفة عن شعوبها.
إن رفع الأسيت من سقف المطالب الاقتصادية والسياسية والثقافية في اللغة والتمسك بالتقاليد. والمطالبة بنقل وضعهم الكياني من منطقة ذات حكم ذاتي، إلى جمهورية ذات حكم ذاتي يزيد من تعزيز وضعهم في المجالات الحياتية كافة.
ولم يكتفوا بذلك، بل أخذوا بالتنسيق بين المطالب والنزعات الاستقلالية مع أشباههم من شعوب وقوميات، مثل الأبخاز والآجار، وهما جمهوريتان ذات استقلال ذاتي، تتبعان الدولة الجورجية. ووصل الأمر في أحيان كثيرة إلى اشتباكات مما وفر للكريملين، المجال التدخل وإرسال قوات فصل بين الأطراف المتنازعة.
الرد الجورجي كان بتوفير الأسلحة والمجال الآمن، لكل ثائر على روسيا، كما هي الحال مع الجمهورية الشيشانية. كما قاموا بتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وفتح الفرص أمامهم في مجالات عدة، أمنيا وسياسيا واقتصاديا. ومن ذلك مد أنابيب بترول من أذربيجان ومرورها بجورجيا وصولا إلى موانئ التصدير.
فهل توقفت مشكلات جورجيا مع الجمهوريات الثلاث عند تلك الحدود والمطالب؟ لا يبدو أن ذلك حصل، ولم تستتب حالة الغليان والاحتقان بعد. كما أنها قنابل موقوتة قابلة للاشتعال، وخاصة في جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. فما الذي يحضره الرئيس الجورجي ساكاشفيلي لتلك القوميات الانفصالية!! وهل يمكن أن يكون هناك حل دون الرجوع،أو رضا موسكو ؟!
يقال عند الشعوب السوفييتية إن: الجورجي الطيب هو الجورجي الميت. فهل يمكن وضع حل لـ «معجزة» الحل الوسط، الذي يُعطل فتيل الحرب، والاستجابة إلى أكثر المطالب معقولية ومشروعية. إلى متى يمكن أن تصمد سياسة الكريملين أمام مشاعر الغضب الشعبي الروسي، ضد الممارسات الجورجية ضد الروس في جورجيا نفسها.
التي يبدو أنها لا تقيم وزنا للتحالفات والاتفاقيات بين البلدين؟ ما يشير إلى أن الرئيس الشاب ساكاشفيلي ليس معنيا إلى الحد الذي يتوهمه الكريملين بتحسين العلاقات مع موسكو والانتقال بها إلى درجة تقترب من التحالف بين الدولتين، إذ أن روسيا تتهم وتلمح بشكل أو بآخر قوى خارجية، بمعارضة المستوى غير المسبوق من التعاون بين البلدين، ضمن الكفاح المشترك ضد التحديات الجديدة.
لكن تراكم هذه الأزمات بدأ يحدث حالة من عدم الثقة بين روسيا وجورجيا، والتي باتت تعبر عنها الصحافة الروسية والجورجية بشكل متزايد في الآونة الأخيرة، ربما كانت أزمات الثقة التي تنشب تباعا بين الكريملين، هي من الصغر بحيث لا تحدث تأثيرا كبيرا على الروابط المتنامية التي يريد ساكاشفيلي إقامتها مع الولايات المتحدة كجزء من سياسة الزحف نحو الغرب.