إذا كانت الحرب هي الخيار الأخير، كما قال أحد الجنرالات الألمان؛ فإن الحوار هو مفتاح الحلول. وإذا كانت هذه المقولة صالحة للعمل بها بين الدول المتأزمة علاقاتها مع بعضها؛ فإنها أكثر صلاحاً وأهمية لاعتمادها والاسترشاد بها في النزاعات والصراعات الداخلية.

خاصة عندما يكون هذا الداخل مستهدفاً من الخارج وغارقاً بهموم ومتاعب تفوق قدراته؛ نتيجة لهذا الاستهداف. قاعدة يفرضها منطق الأمور ومصالح المعنيين. ناهيك بمصلحة البلد وأهله. لكنها، على أهميتها، غير معمول بها هذه الأيام، في أكثر من بؤرة مأزومة ومشتعلة بالمنطقة.

بدلاً من الحوار المباشر، يحصل الحوار بالمذياع عن بعيد؛ الذي عوض عن أن يسكب بعض الماء البارد على الوضع الساخن؛ تراه يضيف بعض الزيت على ناره. النموذجان، في اللحظة الراهنة. فلسطين ولبنان.

في الأولى انقطع الاتصال، بين الطرفين الرئيسيين. ويا ليت الانقطاع هذا تحول إلى فرصة للتهدئة ولمراجعة المواقف والحسابات وبالتالي تمهيد الأجواء لاستئناف الاتصال. على العكس، هو تحول إلى تعنيف الخطاب المحشو بالاتهامات وتقاذف المسؤوليات الأمر الذي أدى إلى المزيد من التخندق في المواقع المتباعدة والتشبث بها؛ ومنها تجديد الدعوات لمتابعة الحوار.

فريق يزعم بأنه بات من غير المجدي، تجديد اللقاءات لأن القنوات مسدودة؛ ولا أمل حالياً في تجاوز الانسداد وبلوغ الطريق المؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية. الآخر يردد بأنه لن يتخلى عن خيار هذه الحكومة ويدعو إلى المزيد من التشاور؛ لبلوغ صيغتها. كل فريق يتمسك بشروطه. لذا طار الحوار وحلت مكانه حرب الميكروفونات والشاشات والمهرجانات.

السيناريو نفسه يلعب ومنذ أيام، على الساحة اللبنانية. فريق يرى أن المشكلة تكمن في الحكومة والحل، بالتالي، يكون في تغييرها لتأليف حكومة وحدة وطنية. الظروف والتحديات والاستحقاقات، يقول إنها باتت تستدعي مثل هذا التغيير. خصومه يردون بأن الحكومة حققت إنجازات، خاصة خلال الحرب الأخيرة؛ هي بكل حال تحظى بثقة أكثرية برلمانية، وبالتالي لا حاجة لحكومة جديدة في الحالتين، الفلسطينية واللبنانية، يبدو شعار «حكومة وحدة وطنية» هو محور الخلاف الظاهر.

الأكثرية، هنا وهناك، تمسك بالحكومة وفي الوضعين، تبدو الحسابات السياسية؛ هي جوهر الخلاف. ولا غضاضة في ذلك. فالاختلاف مشروع. وحتى لو اشتد الصراع وخرج على سكة الحوار، في لحظة من لحظاته، يبقى ذلك مفهوماً؛ إذا كان مثل هذا الاحتدام يحصل في ظل أوضاع وظروف اعتيادية.

لكن أن ينقطع الحوار ويشتعل حريق التراشق السياسي؛ إلى حد أن تحول أحياناً إلى مواجهات دموية ـ في غزة ـ أو إلى بدايات انفجار ـ في بيروت، الضاحية الجنوبية، في اليومين الأخيرين ولو أن المشكلة كانت مخالفات بناء ـ يكون ذلك ليس أقل من مغامرة المشي في حقل ألغام.

وحتى إذا بقي الحوار محصوراً بالمذياع، فإنه في هذه الحالة؛ محكوم بأن يبقى في حدود حوار الطرشان. الحوار المباشر المفتوح وحده البديل الذي يكفل العودة إلى السكة الآمنة شرط أن ينطلق من نوايا التلاقي في منتصف الطريق وليس من منطلق الإقصاء أو الإلغاء.