كلّ هذه الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تؤكد مرّة أخرى أن الصراع العربي ـ الاسرائيلي بلغ من الخطورة ما يجعل منه عامل تهديد للأمن الدولي كله، وانتقل في حاله من ملف اقليمي له تأثيراته على محيط جغرافي معيّن، إلى اشكالية دولية تداعياتها لا تعرف حدودا ولا توقفها حواجز.
ولأن الأمر كذلك، فإنه على المجتمع الدولي وخصوصا على الولايات المتحدة الأمريكية التي هوجمت يوم 11 سبتمبر 2001 لأسباب ذات علاقة مباشرة بهذا الملف، أن يكونا أكثر جدية في التعامل مع هذا الصراع الذي يزداد خطورة، وهذا البركان الذي تفيض حممه ويتصاعد دخانه. ولا شكان هذه الجدية المطلوبة تعني كذلك ولربما بدرجة أولى البلدان والكتل القوية في المنطقة الأورو ـ آسياوية على اعتبار أنها الأقرب لجغرافية الصراع، وأنها الأكثر تهديدا في وجوده، وأنها الأقرب إلى دفع فاتورته الباهظة.
إنه على هذه الدول أن تتحرك وأن تأخذ زمام المبادرة في ظل التردّد أو الحيف الأمريكيين، خصوصا مع هذه الادارة التي ورّطت نفسها في عدّة حروب مباشرة أو بالوكالة، ثم عجزت عن إدارتها وانعدمت لديها القدرة على حسمها عسكريا وسياسيا. هذا بالاضافة إلى أن الولايات المتحدة تفتقد للمصداقية في هذا الملف بالذات أي ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي، الشيء الذي يزيد في تكبيل سياساتها ولا يفتح أمامها آفاقا للتعامل مع الملف المذكور ليس بغرض النجاح في إدارته فذلك مستحيل الآن، بل حتى يفرض «حلحلته» أو تنفيس بعض أجزائه.
لذلك كلّه تبدو مهمة القوى الأورو ـ آسياوية أكثر من ضرورية خصوصا ان أكثرها على علاقة طيبة بطرفي الصراع سواء العربي أو العبري، وخصوصا ان جلّها استطاع خلال التاريخ الطويل للصراع أن يوازن علاقاته مع الطرفين وأن يحافظ على شعرة معاوية مع كليهما. وهو أمر عجزت عنه الولايات المتحدة الأمريكية طويلا وزادت مع إدارة بوش، التي وحسب تصريحات رئيسها في الأول لم تكن تريد أن تغوص في الرمال المتفرقة للصراع العربي ـ الاسرائيلي، ثم وبعد أن أظهرت أحداث 11 ـ 9 أن هذا الكلام بلا معنى أتت مهرولة نحو الملف شرط أن تكون هي راعيته الوحيدة.
وقد كانت، لكن بطريقة هدّمت أصلا، ذلك التحول الذي حصل في التصور العربي للعلاقات مع أمريكا بيل كلينتون، الذي أظهر من الاعتدال والتفهم ما أصرت إدارة بوش على عكسه تماما وما قضت عليه وما أنست العقول فيه. ثم راحت تبيع وهم إقامة دولة فلسطينية وتروّج لوعد قيامها في أواخر 2005 على أقصى تقدير.
إن إدارة بوش غير قادرة وبجميع المعاني حتى بالمعنى المعرفي والادراكي أن تساهم في أي حلّ وأن تجد طريقا لملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي وكلّ هذا الذي تفعله هذه الأيام مجرد مناورات تهمّ إيران وتختص بها أكثر من أي مسألة أخرى، وتحاول أن تجد وضعا يخنق القوى المسلحة في المنطقة والمنظمات الراديكالية التي ويا للمفارقة تزداد راديكالية في منهجها وشعبية في محيطها بسبب التنازل الأمريكي لهذا الملف وما يتفرع منه! وعندما تكون الأمور مفضوحة لهذه الدرجة، والأشياء مكشوفة لهذا المستوى، فإن الفشل هو نهاية كل سياسة!
عبد الرؤوف المقدمي