بأسرع مما توقع الجميع جاء إعلان فخامة الرئيس علي عبدالله صالح عن دخول برنامجه الانتخابي حيز التنفيذ والتطبيق العملي بكل ما حمله هذا البرنامج من محددات واتجاهات استوعبت في مجملها مشروعاً متكاملاً للنهوض والتحديث يضع اليمن على أعتاب المستقبل الأفضل، حيث برزت - ومن خلال هذا الإعلان - الكثير من المؤشرات الدالة على أن اليمن بدأت - ومنذ يوم العشرين من سبتمبر -
انطلاقة جديدة ومرحلة فارقة في تاريخها المعاصر، تتركز أولوياتها على إحداث التحولات الكبرى في مختلف المجالات السياسية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية مما يعني وبصريح العبارة أن ثمّة جديداً يحدث اليوم على الساحة الوطنية، بصرف النظر عن تفاوت التقييم لهذا الجديد الذي بدأ يلامس حياتنا ويصنع حراكاً اجتماعياً وسياسياً غير مسبوق داخل النسيج الاجتماعي، وربما كان علينا - ونحن نتوقف عند دلالات ما يجري وأولويات ما هو آت - استشراف ذلك عبر ما جاء على لسان الأخ الرئيس وتحديداً خلال اللقاء الرمضاني الذي جرى مساء يوم أمس، حيث وجدنا الأخ الرئيس يفتح قلبه بأكثر مما يستطيع ليعلن فضاءً ديمقراطياً رحباً تستكمل فيه التجربة الديمقراطية مرتكزاتها وبعدها الحضاري الذي يرتفع بسلطة الشعب ليصبح هو من يحكم نفسه بنفسه، وهو أيضاً من يصنع سياساته ويرسم مساراته، ويقترح الحلول لقضاياه بصورة مباشرة دون قيود تكبّل حركته أكان ذلك على صعيد الحاضر أو المستقبل.
وليس من المبالغة إذا ما قلنا أن البشارة التي زفها الأخ الرئيس يوم أمس إلى أبناء الشعب اليمني والتي تضمنت الإعلان عن خطوات الانتقال الكامل من المركزية إلى اللا مركزية، بما في ذلك إعطاء المواطنين الحق في انتخاب مكونات السلطة المحلية ابتداءً بالمحافظين ومروراً بأمناء عموم المجالس المحلية وانتهاءً بمديري المديريات قد شكل بحد ذاته ثورة حقيقية تضاف إلى رصيد النجاحات التي أحرزها شعبنا في ظل ثورته الخالدة سبتمبر واكتوبر ومنجزه الوحدوي الكبير الذي أعاد لحمة الوطن في الثاني والعشرين من مايو 1990م، وكذا مسيرته الديمقراطية التي غدت أنموذجاً مشرفاً في المنطقة.
وبهذا الصعود الحضاري يتأكد تماماً أن الوعود التي أطلقها فخامة الأخ الرئيس لم تكن مجرد شعارات الهدف منها دغدغة عواطف الناخبين كما حاول البعض تصوير ذلك خلال حُمّى التنافس الانتخابي، بل أن تلك الوعود كانت في حقيقة الأمر التزامات قطعها الأخ الرئيس على نفسه وتعهد الايفاء بها.
وها هو يباشر ذلك دون أن يترك أية فسحة من الزمن أمام المزايدين الذين اعتادوا على التشكيك في كل شيء لتعكير أجواء التفاؤل اعتماداً على خطابهم البائس الذي يسعون من خلاله إلى مداراة عجزهم عن استلهام شواهد الواقع الجديد، وفشلهم في تقديم أي شيء نافع لوطنهم ومجتمعهم.
وعليه فإذا كانت مثل تلك الخطوة تعد بحكم خصوصيتها وأهميتها ومضمونها الأولى على مستوى العالم العر بي لارتباطها بتوجهات المستقبل، فإنها في مدلولها الوطني قد عكست ترجمة حيّة على أن النظام السياسي في اليمن قد استطاع أن يقدم الأنموذج المتميز في احترام حقوق مواطنيه إلى جانب قيامه بتجسيد قواعد الديمقراطية بمفاهيمها الشاملة والمتكاملة التي لا تقتصر فيها الحرية على مستوى الفرد فقط، بل أنها تتسع بمظلتها لتشمل المجتمع كله بمختلف تكويناته السياسية والحزبية والفكرية، وهو ما جعل الديمقراطية في هذا البلد بمثابة العقد الاجتماعي الذي يبدو فيه جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات.
وبذلك يقدم الرئيس علي عبدالله صالح درساً جديداً في شؤون السياسة والحكم يؤكد من خلاله اقتران القول بالعمل وأن برنامجه الانتخابي سيتم تطبيقه بكل جدية وتصميم، في إطار جدول تفصيلي زمني سيعلن عنه قريباً. واستجابة لما تقتضيه هذه المرحلة من مسؤوليات فإنه ينبغي أن تتكاتف جهود اليمنيين واليمنيات بمختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية باعتبار أن المستقبل سيحتوينا جميعاً، سواءً كنا في السلطة أو المعارضة.
إن الانطلاقة الجديدة قد بدأت وعلينا أن نتعامل معها بمسؤولية وطنية، وأن نجعل منها بوابة العبور للارتقاء بمقدرات الوطن وسبيلاً لصنع إشراق الغد الحافل بالخير والنماء لكل أبنائه. ولعل ذلك هو ما يوجب أن نسارع إلى فتح صفحة جديدة تسودها المحبة والتعاون والشراكة والإيثار في ميادين العمل والإنتاج وجعل هذه المثل الأكثر التصاقاً بسلوكياتنا، ولنمضيَ معاً لبناء اليمن الجديد الذي ينعم في ظله الجميع بالخير والنماء والاستقرار.