يوما بعد يوم تتعقد الازمة الحكومية الفلسطينية، وتتباعد المواقف المعلنة لكل من »فتح« و »حماس« عوضا عن ان تتقارب. ومن الواضح ان التدخلات الخارجية لا تساعد مطلقا على انفراج هذه الازمة. وبالامكان استخلاص هذه النتيجة من حصيلة الزيارة التي قامت بها كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الى المنطقة، ومجمل الوعود والتعهدات التي قطعتها بشأن تحسين الظروف المعيشية للمواطنين الفلسطينيين في الضفة والقطاع - دون ان تنفذ تصريحاتها وبياناتها الى جوهر الازمة المتمثل في تجميد العملية السلمية، والحصار الجائر المفروض على الشعب الفلسطيني منذ سبعة شهور.

وبدلا من ان تتعامل الوزيرة رايس مع الازمة السياسية - الاقتصادية الخانقة، الناجمة عن مواقف حركة حماس من المطالب الاسرائيلية - الاميركية - الاوروبية، للاعتراف باسرائيل ونبذ العنف وقبول الاتفاقيات السابقة، فانها فضلت الالتفاف حول هذه الازمة، واطلاق تصريحات من شأنها زيادة تشبث الحكومة الفلسطينية بسياستها الرافضة لتلك المطالب.

وهكذا تشتد الازمة وتستفحل، وهذا ما ظهر بالفعل في البيانات وردود الفعل التي صدرت امس وامس الاول: سواء عن مؤسسة الرئاسة ام عن كبار مسؤولي الحكومة الفلسطينية، والتي تمحورت حول شد وجذب، ومحاولة كل طرف استعراض صلاحياته وامكاناته امام الطرف الآخر ناسيا، او متناسيا، ان الذي يعاني الامرين من هذا التجاذب هو الشعب الفلسطيني، الذي يتوق الى انهاء الازمة، واعادة الاوضاع الى حالتها الطبيعية.

ولو ان الوزيرة الاميركية حملت معها مبادرات جادة، وحقيقية، تتضمن التزامات متوازنة ومتبادلة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، وليس تركيز معظم جهودها على مطالبة الجانب الفلسطيني، وتحديدا حركة حماس، بالامتثال للمطالب الخارجية - لو ان ذلك حدث بالفعل لوجد الفلسطينيون عموما، والحكومة الفلسطينية على وجه التحديد، ما يدفع بهم الى اعادة النظر ، او على الاقل التفكير في اعادة النظر، في مدى تجاوبهم مع مطالب اللجنة الرباعية. الا ان السؤال المطروح الآن هو: ما الذي قدمته واشنطن ووزيرة خارجيتها للجانب الفلسطيني، كحافز مشجع على تليين مواقفه، في اتجاه الاقتراب من وجهة النظر الدولية؟.

والمؤسف، حقا، هو تحول الوضع الداخلي الفلسطيني الى ورقة سياسية بيد القوى الخارجية، بحيث ان الاطراف الفلسطينية على الساحة الداخلية اصبحت في اقل تقدير، متأثرة بالارادات الاجنبية، وهي التي من المفروض ان تقود العمل السياسي والمسيرة الفلسطينية باكبر قدر من الاستقلالية والحوار والتفاهم فيما بينها. ولعل التهديدات المتنوعة الصريحة والضمنية، الصادرة عن هذا الطرف الفلسطيني او ذاك ، هذا الطرف الآخر مؤشر على الحضيض الذي انحدرت اليه الاوضاع الفلسطينية، وفي كل ذلك فان المواطنين الفلسطينيين هم الذين يدفعون الثمن الباهظ، نتيجة للمواجهة غير العقلانية بين القوتين السياسيتين، الكبيرتين، في الضفة الغربية وقطاع غزة.

والمطلوب ان يتم انهاء الازمة السياسية المستحكمة بين »فتح« و »حماس« على الصعيد الداخلي، ودون تدخل او املاءات خارجية، سواء اجاءت هذه التدخلات من جانب اللجنة الرباعية الدولية ام من المحور الايراني والجهات المرتبطة به.

ومن المؤكد ان المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ليست بحاجة الى من يحددها، ويضع الاستراتيجيات والآليات لتحقيقها، من خارج الوطن الفلسطيني. ومن خلال الحوار والتنسيق بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية، يمكن الاتفاق على تطبيق وثيقة التفاهم الوطني - على سبيل المثال - وايجاد حل مقبول للتجاوب مع متطلبات انهاء الحصار، واحياء عملية السلام، والسير نحو التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، بما يحفظ الحقوق الوطنية الثابتة، والمشروعة، للشعب الفلسطيني.