تزعم إدارة بوش أن جولة وزيرة خارجيتها رايس إلى المنطقة ترمي إلى إحياء عملية السلام في وقت ذكرت فيه صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية أن الرئيس جورج بوش قال إن «لا جدوى من الحديث مع السوريين الآن عن انسحاب إسرائيلي من الجولان» وأن هذا الوقت «غير مناسب»!
بوش يمنع «إسرائيل» ـ ويا للمفارقة ـ من الحديث عن السلام على المسار السوري، أي أن الإدارة الأميركية هي فعلاً أبعد من «إسرائيل» عن السلام، وأكثر عداء لسورية منها.
هذا بالضبط ما كانت سورية قد أعلنته أكثر من مرة، وعلى لسان السيد الرئيس بشار الأسد شخصياً، وفي أكثر من مناسبة. فإذا كان الأمر كذلك فإن الإدارة الأميركية تكون قد عادت إلى لعبة الأكاذيب.
فإما أن تكون رايس مكلفة بإحياء عملية السلام، وإما جاءت لأهداف أخرى تنسجم مع رؤية بوش القائلة بعدم إحياء هذه العملية إلى درجة يمنع فيها الإسرائيليين من الحديث عن انسحاب من الجولان، ولا يمكن هنا التوفيق بين ما قالته الصحيفة الإسرائيلية ومع ما قالته الآنسة رايس وأركان الإدارة الأميركية.
من المؤكد أن السلام كما تفهمه شعوب المنطقة والعالم، هو غير السلام الذي تسوقه إدارة بوش، إذ لا يمكن أن يكون هناك سلام من دون سورية ولبنان ودول المنطقة برمتها، أما إذا ظنت الإدارة الأميركية أن مفهومها للسلام ينحصر في «سلق» تسوية على المسار الفلسطيني تتعارض كلياً مع حقوق الشعب الفلسطيني وتقوم على إبعاد الأكثرية الشعبية والبرلمانية الفلسطينية، فهذا الأمر لا يؤسس للسلام، بل يمهد الطريق أمام أزمات جديدة كي لا نقول حروباً جديدة وانفجارات وعدم استقرار دائم.
قد لا نخطئ عندما نشبّه الوضع اليوم بما كان عليه عشية حرب تشرين التحريرية لجهة إدارة ظهر المجتمع الدولي للسلام واستكانته لسياسة الأمر الواقع.
ولكننا نعترف بأن اليوم ليس كالبارحة، والساحة العربية اليوم ليست كما كانت إبان حرب تشرين، فقد كان التضامن العربي سلاحاً فعالاً في أيدي العرب، بينما العرب اليوم في أسوأ حال من انقسام وتشرذم وخلافات حتى على أبسط الأمور، ولعل ذلك في مقدمة الأسباب التي تجعل الإدارة الأميركية تبتعد عن السلام وترفضه أكثر من «إسرائيل» نفسها.
وبذلك تحارب إدارة بوش السلام بقوتها الضاربة، وعبر حليفتها «إسرائيل» ومن خلال بعض العرب الذين وضعوا كل أوراقهم بأيدي واشنطن، وتخلوا عن تضامنهم بعد أن ألقوا كل أسلحتهم وفضّلوا الاستسلام والاستسهال على التصدي للمشاريع الأميركية الرامية إلى تكريس الخلافات العربية ـ العربية، وشطب الهوية القومية لمصلحة الهوية الشرق أوسطية.
إنه رهان واشنطن الذي أعلنته رايس للإيقاع بين العرب على قاعدة التحالف مع المعتدلين ضد «المتطرفين»، فهل أدركت إدارة بوش أنها خاسرة في رهانها هذا؟ وهل أدرك العرب أنهم مستهدفون أكانوا معتدلين أم «متطرفين»؟!.