ضمان حقوق الانسان في العالم بغض النظر عن الجنس او العرق او العقيدة هدف براق يتمناه كل سكان الكرة الارضية ، لكن في معرض التطبيق العملي لكل القرارات المتعلقة بحقوق الانسان نجد ان المعايير المزدوجة هي اساس عمل كافة المنظمات والهيئات العاملة في هذا المجال خاصة اذا كان الشرق الأوسط طرفا في القضية ، ويجدرهنا الاشارة الى آلية عمل مجلس حقوق الانسان ومواجهته لعراقيل عديدة ادت الى تعليق دورته الثانية امس دون التوصل الى توافق على أية قرارات.

السبب الرئيسي الذي عرقل عمل هذه الهيئة الدولية المهمة هو انها تريد اثبات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان الفلسطيني واللبناني بسبب الاعتداءات المتكررة لجيش الاحتلال الاسرائيلي الذي استخف بكل معايير حقوق الانسان بذريعة حفظ امن اسرائيل وبدعم سافر من جانب دول عظمى لم تعد حكوماتها او اداراتها تجد حرجا في التصريح علنا بان حماية اسرائيل هدف اساسي يمكن من خلال الوصول اليه الدوس على كافة الحقوق لكافة الشعوب (غير اليهودية) ولأن المجلس استمع الى تقريرين عن انتهاكات اسرائيل خلال عدوانها الاخير على لبنان وما تبعه من ادانات صادرة من 38 دولة لذلك استحق ان ينزل به العقاب من جانب الدول المناصرة للاعتداءات الاسرائيلية ويصل الى طريق مسدود كما حدث امس.

اما حقوق الانسان الفلسطيني فلم تعد تجد من يطالب بها او يدافع عنها ، وبدا النفاق الدولي لاسرائيل سافرا في هذا المجال تحديدا الى حد ان الجنائز صارت هي العنوان الرئيسي في كافة وسائل الاعلام ـ جنائز الشهداء الفلسطينيين وجلهم من الاطفال والنساء ـ وهذه المآسي لم تعد تحرك مشاعر احد في ما يسمى بالمجتمع الدولي سواء داخل منظومة الامم المتحدة وهيئاتها ومؤسساتها المتعددة او خارجها.

هذا التبلد من جانب القوى الكبرى تجاه ازهاق الروح الفلسطينية واللبنانية ودوس كرامة الشعوب في كل البلدان التي تواجه الاعتداءات الاسرائيلية اصاب العالم بالذعر ودفع الشعوب القادرة على امتلاك اسلحة فتاكة الى اللهاث وراء حيازة هذه الاسلحة وعلى رأسها الاسلحة النووية لحماية نفسها من وضع يماثل وضع الشعب الفلسطيني او الشعب اللبناني في الجنوب ، حيث تعتبر الاراضي والبحار والسماوات مفتوحة امام كل عدوان اسرائيلي دون اية محاسبة او قدرات للردع.

ولو ان المؤسسات العالمية العاملة في مجال حقوق الانسان استطاعت ان تتعامل مع كل الاقاليم بمعيار واحد هو معيار العدالة دون ادنى تفرقة ، اذا لاطمئن العالم وسعى الى تنفيذ برامج تنمية تفيد الاجيال الحاضرة والمستقبلية. وهاهو العالم يترقب التجربة الكورية الشمالية ويتساءل عن السبب الجوهري وراء اصرار شعب فقير ونظامه السياسي ان ينفق هذه الاموال الباهظة لامتلاك قدرات نووية؟ انه الخوف من المجهول ، الخوف من ان تجد هذه الدول نفسها في وضع لا تحسد عليه امام هذا الخلل الفاضح في معايير العدالة الدولية.

لقد مضى على القضية الفلسطينية اكثر من قرن وهي اسيرة خلل المعايير وعدم التزام الذين يتحدثون عن حقوق الانسان ، وعن ضرورة حل المشكلات الدولية بالوسائل السلمية ، ومازال العرب يراهنون على مواثيق الامم المتحدة السلمية القائمة على الحوار والتفاوض ، فلماذا تواجه المنظمة الدولية واجهزتها الحقوقية كل هذا التهميش من اجل عيون دولة واحدة تعتمد على لغة القوة لقهر الشعوب العربية واغتصاب اراضيها بالقوة ، ومع ذلك فاننا نأمل ان يشهد الاجتماع القادم لمجلس حقوق الانسان بجنيف في السابع والعشرين من الشهر المقبل ما يغير حالة التشاؤم هذه.