تسمع المنطقة كلاما جديدا يبدو انه إفراز طبيعي لحالة الجمود الناجمة عن غياب حلول جادة للصراعات القائمة سواء في فلسطين أو العراق ، فضلا عن الصراع العربي الإسرائيلي ، والأزمات الأخرى ذات العلاقة بالوضع في لبنان والبرنامج النووي الايراني ، وغيرها من التعقيدات التي تضع منطقة الشرق الأوسط في دائرة الخطر وعلى حافة هزات كارثية ، إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.
في غزة يعرض رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية هدنة مع اسرائيل ويرفض الاعتراف بها ويتمسك بحق حماس بالاحتفاظ بالشرعية التي كسبتها عن طريق الانتخابات العامة ، وهذا يعني أنه يقدم نفسه بديلا عن أي مشروعية أخرى ، بما في ذلك مشروعية الرئيس محمود عباس الذي وصل معه إلى طريق مسدود في مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
وإذا أخذنا في الاعتبار الكلام الزائد عن الحاجة الذي قالته وزيرة الخارجية كوندليزا رايس بشأن مساندة أمريكية اسرائيلية مشتركة للسيد عباس ، فمعنى ذلك أن دخول أحد أطراف المعادلة الفلسطينية في حلف غير مضمون ولا مأمون ، سيجعل المواجهة بين حركة فتح وحماس احتمالا واردا جدا.
في هذه الزاوية من المنطقة المشحونة بأجواء ملبدة بالشكوك وبالخطط الشريرة ، بدأنا نرى تراجعا عن المرجعيات القديمة لأنها لم تعمل كما يجب ، بعد أن دمرت اسرائيل جميع فرص السلام وداست على خريطة الطريق بعنجهية وحماقة وصلف ، والآن يأتي الكلام الجديد من السيد هنية بمثابة رد يأتي في سياق الفراغ الذي حصل في غياب الموقف العربي والشرعية الدولية ومبادرات السلام ، القادرة على منح الشعب الفلسطيني أبسط حقوقه في دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
من تل ابيب ذهبت رايس إلى أربيل لتلتقي مسعود البرزاني ، وقد حملت معها من محادثاتها مع القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية أعباء المأزق الأمريكي في المنطقة ، فلم نعد نعرف ما إذا كانت تسعى إلى مساعدة الآخرين على ايجاد حلول ولو مؤقتة ، للمشاكل المتفاقمة أم أنها تسعى لمساعدة منهم ، كي تنفذ إدارة الرئيس جورج بوش بجلدها ، وهناك - أي من إقليم كردستان الذي ينفصل تدريجيا عن الوطن الأم - سمعنا كلاما جديدا عن تقاسم النفط بين العراقيين ، من دون أن نعرف ما المشكلة التي يجري حلها بواسطة ذلك الاقتراح.
علم كردستان وعلم أمريكا ظهرا في خلفية المؤتمر الصحفي لرايس والبرزاني ، ولم يكن العراق حاضرا في الصفقة المقترحة ، فالتقسيم إذن يدخل الآن مرحلة التأسيس فوق آبار النفط الموجودة في كركوك وغيرها ، وهي آبار آمنة أكثر من غيرها ، وللولايات المتحدة نصيب منها ، وفي المقابل سنرى قريبا ردود أفعال من الأطراف العراقية الأخرى ، وكذلك من ايران وسوريا وتركيا ، حيث القومية الكردية آخذة في التبلور من جديد ، مما يثير قلق تلك الدول بشأن المستقبل القريب.
ما يمكن ملاحظته الآن بوضوح ، هو أن المنطقة ذاهبة نحو صياغات جديدة ، وبانتظار تطور الأحداث في المنطقة الممتدة من طهران إلى تل ابيب ، فإن السياسة الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل والساعية إلى اجتزاء مناطق قابلة للانضمام إلى حلف أهوج ، ستقود حتما إلى الفوضى التي تحاول رايس جعلها نتاجا لخطة منظمة ، وبما أن هناك أطرافا كثيرة في مساحة تلك الفوضى ، فإن الصياغات الجيدة لن تقتصر على الذين كانوا بالأمس قوة التأثير الوحيدة في مستقبل المنطقة ، لأنهم اليوم مجرد طرف من الأطراف ويتساوون في القدرة على تدمير فرص السلام ، وفي إشعال نار تحرق كل شيء.