على خلاف ما هو ظاهر، فإن اجتماع القاهرة الذي ضم كوندوليزا رايس مع وزراء خارجية ثماني دول عربية، ليس سوى علامة فشل أميركي في التعامل مع الدول والقوى المعادية أو «قوى التطرف» حسب الوصف الأميركي وهي: إيران وسوريا وحزب الله وحماس. فبعد أن فشلت الولايات المتحدة في إقناع روسيا والصين بمبرراتها لحصار هذه القوى، وبعد فشلها أيضاً في الحصول على مساندة أوروبا لمخططاتها، لم تجد أمامها سوى الدول العربية الصديقة لحشدها هذه المرة.
الاجتماع في جوهره كان استعراضياً أو أشبه باجتماع علاقات عامة أكثر منه لوضع خطة عمل أو حبكة استراتيجية. فاميركا تدرك أن العرب هم الحلقة الأضعف في ملفات المنطقة ومنها الملف النووي الإيراني، ذلك لأنهم لا يمتلكون جرأة الاختلاف أو الرفض الصريح والواضح للمخططات الأميركية مثلما هو حال روسيا والصين وأوروبا ، والعرب الذين اجتمعوا بالقاهرة يدركون أن رايس لم تحضر إليهم إلا لتلميع صورة الإدارة الأميركية داخلياً لعل وعسى يفيدها ذلك في انتخابات الكونغرس المقررة خلال شهر نوفمبر المقبل. كما تدرك أميركا أن العرب ليس باستطاعتهم، وليس أيضاً لأي منهم رغبة في القيام بأي عمل عدائي ضد إيران، نظراً لكثير من الاعتبارات.
كما يدرك العرب أن الفشل الأميركي في التعامل مع إيران يفيدهم كثيراً في محو أية ضغوط أميركية عليهم مستقبلاً بشأن كثير من القضايا الخلافية وفي مقدمتها الدمقرطة، إلى جانب أن لبعض الدول العربية مصلحة في إرسال إشارات سريعة لإيران، وهذا أيضاً ما تريده الولايات المتحدة. إذن كل طرف يفهم جيداً مراد الآخر وأهدافه ويدرك محدودية خياراته، ويدرك صعوبة موقفه الذاتي أكثر من قدرته على المغامرة في المجهول تجاه إيران.
ولكن المشكلة أن بقية الملفات لا تتمتع بتلك الممانعة التي تتمتع بها إيران، فسوريا عارية من أي غطاء عربي، بل ان هناك سياسات عربية مطبقة حالياً لعزل سوريا، كذلك الأمر بالنسبة لحزب الله وحكومة حماس. وهي الأطراف المقصودة أميركياً بالتطرف. وعلى هذا فإن المعطيات القائمة على الأرض تعني أن العرب ـ بضغوط أميركية ـ قد يعيشون حالة تناحر فيما بينهم، مما يعني مزيداً من الانقسام العربي في مواجهة قوى المقاومة العربية. ولأن الحالة الفلسطينية هي الأضعف فإن الطرف الفلسطيني سيكون الخاسر الأول من كل عمليات التقارب الأميركي. وهذا هو الحاصل الآن بالفعل، بل يمكن القول ان القضية الفلسطينية ستزداد إضعافاً وتعقيداً.
أما حزب الله ـ فلا خوف عليه ـ فقد أثبتت الأحداث أنه قادر على التعامل مع مختلف المتغيرات، حتى ولو تواطأ بعض العرب ضده مثلما حدث خلال حربه الأخيرة مع إسرائيل. وكذلك الحال مع سوريا فهي بإمكاناتها قادرة ـ ولو بصعوبة ـ على كسر حلقات الحصار الأميركي العربي، لكن مشكلة سوريا ستكون أكثر تعقيداً في حالة نجاح مخطط إدانتها في قضية اغتيال الحريري أو تحميلها مسؤولية نقل أسلحة لحزب الله، حتى ولو تم مسرحة هذا النقل وفبركته، وربما يكون ذلك ضمن المخططات الأميركية ضدها.
إن أميركا التي فشلت دولياً بشأن إيران وسوريا وحزب الله وحماس (حتى الآن) تحاول اختلاق حصان طروادة عربي لإزالة الموانع التي تعترض مخططها للشرق الأوسط الجديد، لكن الواقع العربي الرسمي والشعبي يبين أن من اجتمعوا بالقاهرة لن يغامروا مطلقاً بمصالحهم القطرية والعربية والإقليمية من أجل مصالح أميركا وحدها ومن ثم فإن اجتماع القاهرة لن يكون سوى اجتماع «فض مجالس».