مرة أخرى يؤكد الرئيس الكازاخي سلطان نزاربايف قدرة حكومته على النهوض بالبلاد وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة ، ويمكن القول ان كازاخستان الدولة الوحيدة التي تمكنت من تحقيق مكاسب فعلية في قمة الثماني الكبار بعد روسيا. وفيما حققت القمة لروسيا حضورا دوليا وتثبيت لمواقعها في نادي الاثرياء، ورسخت اسلوبا جديدا للحوار بين قادة الدول الكبرى.
عادت مشاركة كازاخستان عليها باتفاقات مثمرة ومهمة في مجال الطاقة، وفي الوقت الذي فشلت فيه أطراف قمة الثماني من الوصول لاتفاق حول ملف امن الطاقة، حيث وقع الرئيس الكازاخي سلطان نزار بايف عدة اتفاقات تعاون، كان أهمها اتفاق التعاون مع روسيا حول تحويل وبيع غاز حقل كاراتشاغاناكسك.
يعتبر حقل كاراتشاغاناكسك من اهم حقول الغاز في وسط آسيا، وهو يقع في منطقة اكسايك التابعة لمقاطعة الاورال في كازاخستان. ويتضمن مشروع استثمار الحقل الوصول بالانتاج بحلول عام 2012 إلى 25 مليار متر مكعب سنويا. وتجدر الإشارة إلى ان احتياطي الغاز في كازاخستان يقدر بحوالي الفي مليار متر مكعب، وتشير بعض الدراسات إلى ان الاحتياطي المتوقع- بما فيه الجرف القاري لبحر قزوين- يصل إلى أكثر من 8000 مليار متر مكعب.
ولم يقتصر الامر على الاتفاق الروسي- الكازاخي، وانما تقدم رئيس وزراء الهند منموهان سينغ بعرض للرئيس الكازاخي بتأسيس مؤسسات مشتركة في مجال النفط والغاز. ويتضمن العرض تأسيس شركة مشتركة للتنقيب واستخراج النفط والغاز، ورحب نزار بايف بالعرض معتبرا انه يحتاج لتطوير في اتجاه بناء شبكات لنقل الطاقة. تأتي هذه الاتفاقات بعد ان تم افتتاح انبوب «باكو- تبليسي- جيهان» لنقل النفط الذي يبلغ طوله 1767 كلم. الذي ستضخ كازاخستان عبره حوالي 15 مليون طن سنويا اعتبارا من عام 2008 .
هذه الخطوات بدات تنقل كازاخستان من دولة آسيوية تدخل أسواق الطاقة العالمية عبر روسيا من الباب الخلفي إلى مستوى لاعب مستقل في هذه الأسواق، يمكن ان تصبح من الموردين الرئيسيين للطاقة لكل من بلدان جنوب شرق آسيا وأوروبا. لقد نجحت كازاخستان في اقامة علاقات متوازنة بين الاطراف المتنافسة في سوق الطاقة بمنطقة شرق أوروبا، وشاركت بفاعلية في مشروع انبوب «باكو- تبليسي- جيهان» لنقل النفط، الذي تعتبره موسكو يهدد مصالحها كمحتكر لشبكات نقل الطاقة من وسط آسيا إلى أوروبا، في نفس الوقت الذي تمكنت فيه من اقامة علاقات تعاون في مجال استخراج وتسويق الغاز والنفط مع الصين والهند وروسيا.
ولم يعد امام موسكو بديلا سوى التعامل مع الامر الواقع، والبحث عن المنفعة المتبادلة مع كازاخستان حتى تحافظ معنويا على نفوذها السياسي في المنطقة، خاصة ان موسكو التي ستواجه نقصا في اليورانيوم وهو مادة اولية مطلوبة لمحطات الكهرباء ومختلف الاسلحة، تحتاج لليورانيوم الكازاخي، وينافسها في السعى للحصول عليه البلدان الأوروبية والولايات المتحدة لان العالم يعاني من نقص في اليورانيوم الطبيعي، لذا طرات تغييرات على محتوى التعاون الروسي-الكازاخي، واصبحت هذا الدولة الآسيوية شريكا مستقل لروسيا في المنطقة.
من المعروف ان كازاخستان واحدة من ثلاث دول في العالم تسيطر على 70% من احتياطيات العالم من اليورانيوم الخام الرخيصة نسبيا(40 دولارا للكيلوجرام) من اليورانيوم. وتبلغ حصة هذه البلدان في انتاج العالم من اليورانيوم 60%. وتفيد دراسات مراكز الأبحاث ان روسيا يمكن ان تواجه نقصا في اليورانيوم، حيث ان الاحتياطي المجدي لا يتجاوز أكثر من 170 الف طن، ما يعادل 28% من احتياطيات روسيا من اليورانيوم، والتي تقدر بحوالي 600 الف طن.
وستضطر روسيا خلال السنوات القادمة إلى زيادة انتاج اليورانيوم 4. 1 مرة في عام 2010 و4. 3 مرة في عام 2020، وذلك لكي تضمن تزويد محطاتها الكهروذرية بالوقود وتستمر في تصدير الوقود النووي واليورانيوم غير المخصب إلى الأسواق العالمية. ومن الواضح ان كازاخستان تمثل المصدر الاقرب إلى روسيا، التي يتوقع ان ينفد مخزون اليورانيوم لديها في عام 2015. لذلك لن تستطيع روسيا دون كازاخستان توفير امن الطاقة للاتحاد الاوروبي ولا لنفسها.
بالاضافة لذلك توجد اتفاقات تعاون بين البلدين حول زيادة طاقة استخدام خطوط الانابيب لكونسورتيوم بحر قزوين إلى 67 مليون طن من النفط سنويا، باعتبار انه لا يستفاد حاليا الا من 28 مليون طن. وكانت روسيا تعترض على تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع كونسورتيوم بحر قزوين لان تزايد كميات النفط الكازاخي الذي يضخ عبر خط الانابيب المذكور إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الاسود سيجبر روسيا على تقليص حصتها من الصادرات النفطية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين اللذين لا يتجاوز حجم النفط المنقول عبرهما عن 100 مليون طن سنويا.
ومن المتوقع ان تغير موسكو موقفها في حال انضمام كازاخستان إلى مشروع مد خط انابيب من ميناء بورغاس البلغاري على البحر الاسود إلى ميناء الكسندروبولوس اليوناني على البحر المتوسط وهو الخط الذي سيتيح نقل النفط من نوفوروسيسك إلى أسواق العالم دون المرور بالمضيقين التركيين. ولعل موقف موسكو تجاه التعاون مع كازاخستان والتغييرات التي طرات عليه يستند لادراك الكرملين إلى ان واشنطن تسعى لجعل كازاخستان قوة توازن روسيا في سوق النفط العالمية وفي مواجهتها،
في نفس الوقت التي تلبي مصادر الطاقة الكازاخي جزءا مهما من احتياجات روسيا، مما يجعل هذا المواجهة تهدد مصالح روسيا بكل المقاييس وعلى مختلف الاصعدة. وقد يكون هذا هو السبب في تجاوب موسكو مع خطط حكومة نزاربايف، ويشير بعض المراقبين ان مراعاة الكرملين لمصالح كازاخستان وصل إلى عدم الاعتراض على مطلبها بفرض حظر على انضمام ايران المحتمل إلى منظمة شنغهاي للتعاون.
وتكشف زيارة نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني إلى كازاخستان في مايو، وقرار الاتحاد الاوروبي بالمساهمة في تغطية نفقات انضمام كازاخستان إلى مشروع نقل الغاز عبر اذربيجان وتركيا، إلى مساعي الغرب لاضعاف صلات التعاون الروسية-الكازاخية في اطار كسر احتكار روسيا كمورد للغاز إلى الدول الأوروبية وضمن استراتيجيته الخاصة بتنويع مصادر الطاقة
مركز دراسات الطاقة
روسيا