رغم أن الكثير من الكتابات تشير على تغيرات جوهرية في طبيعة الدولة العربية وجوهر الدولة الديمقراطية، إلا أن تبقى الدولة بشكل عام تحمل بعض السمات المشتركة من حيث طبيعتها كما هو من سماتها كمنظمة قابضة للقوة وممثلة لها. والدولة بشكل عام، كما هي الدولة العربية، تمثل الطرف الأقوى في مقابل القوى والتضامنيات الاجتماعية والدينية الأخرى.

وذلك بفضل ما تمتلكه من مصادر متعددة للقوة هي غير متيسرة أو متاحة للآخرين من الجماعات والقوى والتضامنيات، إلا أن هذه القوة لا تكون في الغالب منفلتة عن ضوابطها، أو خارجة عن المساءلة والنقاش، فجزء من شرعية السلطة هو في خضوعها لقدر كبير أو صغير من المساءلة والتدوير، وهي المسألة القضية التي لا يبدو أن لها مكانا كبيرا ومؤثرا في المنطقة العربية. فالدولة العربية كممثلة للحزب أو الجماعة القبلية أو الأثنية وبفعل لمصادر القوة المختلفة،

فإنها في الغالب الأعم ما تجير ذلك لصالحها الخاص أو لصالح بعض من جماعات المصالح والقوة التي قد تلتقي أو متحالفة معها في المواقف والسياسات. والدولة في صراعها أو اختلافها مع المجتمع أو القوى والتضامنيات التي يفترض أن تمثل المجتمع أو أجزاء منه، غالبا ما ترى في تنازلها أو تراجعها عن مواقف سياسات لها بخصوص قضية أو جماعة أو فرد.. الخ

دليل ضعف ووهن وليس قوة. وهي في هذا قد تتمادى في مواقفها التي قد تكون في بعضها أو جلها غير مصيب، كدليل للقوة وليس كدليل لصواب الموقف ونجاعته، وهي وإن تداركت خطأ الموقف، فإنها تحتاج للكثير من الوقت والجهد حتى تُصلحه، وهي بهذا تعاظم من الخطأ الأول الذي يراكم من المشكلات التي كلما طال انتظار حلها كلما تعمقت وأصبحت مستعصية على الحل، أو أنها قد تصبح وبفعل الانتظار الزمني عقدة من المشكلات لا تفيد فيها الحلول الوقتية والمؤقتة.

ولم نسمع عن دولة عربية تراجعت عن مواقفها الخاطئة أو القريبة من الخطأ، أو أنها دفعت نحو تغيير سياساتها أو تغيير بعض الوجوه الخاطئة أو الفاسدة أو المتسببة في المشكل الداخلي أو الخطأ الإداري ضمن طاقمها التنفيذي، إلا في القليل من الحالات، بل ان المشهد العام والصورة القائمة لذلك، تشير إلى أن هذه الحالات لا تمثل إلا الشواذ التي تؤكد صحة القاعدة العامة لسلوك وأداء الدولة العربية.

فكم من وزير أو مسؤول تنفيذي قد اتسم أداؤه بالسوء والضعف أو عدم الاختصاص لم يفارق مقعده التنفيذي، وكم من وزير أو مسؤول كبير وتنفيذي، قد اتصف أداؤه بالمُأزم للحالة المجتمعية أو الاقتصادية أو السياسية، ولربما أحيانا النسيج الوطني الداخلي أو أحيانا للعلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، في الكثير من المواقع العربية، لم يفارق مواقعه التنفيذية رغم حجم الألم والضرر الذي ألحقه بالمجتمع ولربما بالدولة وعلاقتها بالمجتمع، بل ان الأمر قد يذهب إلى أبعد من ذلك، في بعض الحالات العربية، عندما تضحي الدولة بالمجتمع مقابل الفرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد.

ويبدو تلكؤ وتخلف الدولة العربية عن تبني الموقف الأخذ بالتغيير الشامل لكل الجوانب والحالات مؤشرا لهذه الحالة الترددية المتلكئة؛ فمن إخفاق اقتصادي يقود إلى مساحات تتسع مع الزمن من الفقر والفقراء، إلى تكلس سياسي وتدهور في نوع وكم الخدمات الاجتماعية ذات العلاقة بحاجة الناس، والذي يأتي على رأسها التعليم والصحة اللذان شهدا خلال الحقب القليلة الماضية تدهورا كبيرا، عجزت عن تجاوزه المحاولات الترقيعية للإصلاح،

ولم تذهب هذه المحاولات في مجالي الصحة والتعليم، بعيدا عن حالة الترويج الإعلامي لسلعة خدمة بحاجة إلي قدر ليس عاديا من التغيير الهيكلي والشامل. فتأجيل الحل والإصلاح والخوف من إعلان الإخفاق عمقت من حال المشكل وأعصت الحل وجعلت من موقع جل الدول العربية متدنيا على مقياس التنمية البشرية، بل انه قد سجل تراجعا كبيرا خلال الخمس عشرة سنة الماضية إذا ما قورن ببعض الدول الآسيوية كماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

وتبقى الكويت باعتقادي إحدى الحالات القليلة في المشهد العربي، المأزوم بالمشكلات والمُعاق ببعض من قياداته في الكثير من المواقع العربية، التي يتسم أداء السلطة فيها وكذا مؤسسة الحكم، أي في الكويت، بقدر مهم من العقلانية بل أقول البرجماتية السياسية التي تُغلب في الأعم الرغبة العامة على الخاصة وإن جاءت هذه الرغبة معارضة أو متناقضة مع رغبة مؤسسة الحكم فيها.

ونحن في هذا لا نفسر سلوكها بقدر من الضعف، كما هو التفسير الشائع في الثقافة السياسية العربية، بقدر ما هو إلا موقف يتسم برغبة في تجاوز المشكلات والمنغصات الطارئة على المشهد السياسي المحلي. وهي في ذلك تذهب لحيث التوافق الاجتماعي والسياسي للمواقف من الشأن الداخلي وليس التنافر أو احتكار القرار أو ما يسمى «باحتكارها للحكمة».

ويبدو الموقف لن أقول التراجعي لمؤسسة الحكم والدولة عن موقفها القائل بعشر دوائر انتخابية لخمس دوائر وهو المطلب الذي دعت إليه المعارضة السياسية والبرلمانية، إلا دليل قدر ليس بقليل من العقلانية السياسية التي تبحث عن مواقع اللقاء والالتقاء مع قوى المجتمع ولا تبحث عن مواقع التنافر والصراع.

كما ان الدولة الكويتية سعت دائما للتخلي عن الكثير من قياداتها السياسية والتنفيذية المخدوشة في نزاهة أدائها أو ما سُمِي في الكويت «بشخصيات أو وزراء التأزيم» وإن كان بعضا من هؤلاء من أفراد العائلة الحاكمة أو أفراد محسوبين على مؤسسة الحكم وتحالفاته القبلية ولربما التعاضدية- الأثنية الأخرى؛ كوزراء النفط والمال والتربية والتعليم وآخرين كُثر.

وقد جاء هذا السلوك أما ليلبي مطلبا شعبيا وسياسيا عاما أو أنه ليتجاوز أداء البعض من الوزراء الذين أتسم أداء بعضهم بكونه جالبا للتأزم للنسيج الاجتماعي والسياسي الداخلي، أو ان أداءهم قد وصف بالضعف وأحيانا أخرى بالفساد من قبل القوى السياسية والسلطة التشريعية.

ونتيجة لذلك فقد فارق مقاعد الوزارة ومراكزها التنفيذية شخصيات ورموز عرف بعضها أما بمواقفه الليبرالية أو أنها قد حسبت على أحد القوى الاسلامية والأثنية الكويتية، أو أحيانا أخرى قد فارق هذه المقاعد شخصيات ورموز عرفت بكفاءة الأداء الوظيفي والسياسي،

إلا أن رغبة النظام في تحقيق قدر أعلى من التوافق الداخلي وتحديدا مع سلطته التشريعية، قد تطلب منه المبادرة بتغيير للأشخاص والمواقف ولربما السياسات، وهو تغيير أعطى النظام الكويتي قدرا ليس عاديا وكبيرا من الحراك والحيوية ولربما المبادرة والمبادأة السياسية والقوة ومزيد من الشرعية الداخلية عجزت عن تحقيقها قليلا أو كثيرا من الأنظمة السياسية العربية الأخرى

كاتب بحريني