لم يعد ممكناً فصل الثقافي في العلاقات الدولية عن السياسي، بما جعل معظم الصراعات العالمية تحركها عوامل ثقافية، وبما جعل العولمة ذاتها تسبق تقدمها السياسي فرق الموسيقى الثقافية، وتتعثر حركتها أمام الخلفيات الثقافية للشعوب، وبما جعل «الفرانكوفونية» تنشأ في مواجهة «الأنجلوفونية»، و«الأمركة» تنشأ لوراثة «الأنجلوفونية» سعيا لقيادة حركة «العولمة».

والأمر في النهاية هو شكل من أشكال المواجهة بين قوى الاستعمار القديم وقوى الهيمنة الجديدة بالثقافي وصولا إلى السياسي، وبالسياسي وصولا إلى الاقتصادي، وبالاقتصادي للسيطرة على ثروات شعوب العالم لتحقيق أهداف الرأسمالية الدولية بالانتصار النهائي على الاشتراكية، وتنصيب وحيد القرن الأميركي إمبراطورا للعالم، وفقا لنظرية نهاية التاريخ التي روج لها «فوكوياما»

وتتحرك هذه المواجهة المستترة غالبا والعلنية أحيانا بتأثير أحلام الدول الكبرى «العجوز» في استعادة نفوذ «الصبا» الاستعماري القديم في مستعمراتها السابقة، بينما تهدد هذه الأحلام الأوروبية القديمة، أحلام منافسة لقوى الهيمنة الأميركية الجديدة «الشابة» الساعية إلى وراثة الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية وفقا لمشروع «القرن الأميركي» الذي يبدو حاليا آيلا للسقوط بفعل الرفض العالمي، رغم كل محاولات ترميمه على يد المحافظين الجدد في واشنطن.

لكن هذا التنافس المحموم لإعادة تقسيم النفوذ في العالم، وخاصة في شرقنا العربي، والذي ينفذ إلى السيطرة السياسية والاقتصادية عبر البوابة الثقافية يجد في مواجهة نفاذه سعيا لنفوذه، مواريث ثقافية عريقة لحضارات ورسالات لديانات سماوية عميقة الجذور لدى الشعوب يصعب اقتلاعها بما تشكل حوائط صد أمام هجمات الغزو الثقافي أو الوصاية السياسية يصعب تجاوزها، مما يجعل التناقض طبيعيا بين الثقافات الغربية والثقافات القومية للشعوب، وبالتالي بين السياسات الغربية والسياسات العربية، وبما يفرض على الطرفين إما الحوار وإما المواجهة.

ولا تتورع بعض القوى الاستعمارية الكبرى في محاولاتها لفرض الهيمنة على خيارات وثروات غيرها من الشعوب عن القيام بالمغامرات الفاشلة لإعادة الاحتلال من جديد بوسائل الغزو العسكري لفرض الأنماط الثقافية الغربية والغريبة على شعوب الحضارات الأخرى تطبيقا لأفكار «صراع الحضارات» التي روج لها «هنتنغتون».

غير أن هذه المغامرات العسكرية كثيرا ما تتخفى وراء شعارات ثقافية، ولافتات إنسانية تستهدف بها تذويب مناعة الشعوب ضد التبعية بكل أشكالها في محاولة لتطبيع «القابلية للاستعمار» خصوصا لدى الأجيال الجديدة البعيدة نسبيا عن قيمها الحضارية والدينية، لتستسلم في حالة من الاستلاب الثقافي، انبهارا بالقيم العصرية الغربية الحديثة بفعل الصورة النمطية البراقة التي تروجها عبر وسائل الاتصال الجديدة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات.

وحتى تحت لافتات الحوار بين الحضارات أو الحوار بين الثقافات التي نراها وسيلة لإحلال الحوار بدلا من المواجهة بين الأنا والآخر، تحاول تلك القوى الاستعمارية القديمة بأوهام استعادة النفوذ القديم، والقوى الاستعمارية الجديدة بأحلام الهيمنة الجديدة في ظل العولمة، فرض نماذجها وأنماطها وقيمها الثقافية، التي هي نتاج لسياق حضاري مغاير خصوصا لشعوب مازالت قيمها الثقافية النابعة من معتقداتها الدينية البناءة ومن ميراثها الحضاري المبهر عصية على الذوبان في الآخر.

وتبدو شعوبنا العربية ذات الميراث الحضاري العريق، والمبشرة بالرسالات الدينية السماوية العظيمة هي النموذج الساطع للشخصية الحضارية ذات الخصوصية الثقافية التي لم تفلح بعد كل فيروسات «الإيدز الثقافي» وكل ميكروبات «الانهزام الحضاري» وكل أعراض «النصرفوبيا» أن تفرض عليها الاستسلام الفكري ولا القابلية للسيطرة والخضوع.

والدليل على ذلك تلك المناعة الذاتية «للآرابوفونية» التي استعصت على الذوبان في المؤتمر الفرانكفوني الأخير في رومانيا بوصاية فرنسية، حينما دفعت نزعة الوصاية على لبنان العربي الرئيس الفرنسي للتدخل المباشر في الشأن اللبناني لتغليب طرف يتوافق مع الإليزيه، على طرف يرفض الوصاية الفرنسية.

كما دفعت تلك النزعة المرفوضة «الموسييه» الفرنسي إلى الوقوع في مجافاة القواعد البروتوكولية المحترمة بين الدول، وإلى الخطأ البالغ في الحساب بعدم توجيه الدعوة لرئيس جمهورية لبنان الذي كان رئيسا لأهم مؤتمر فرانكوفوني على الإطلاق ذلك الذي عقد في بيروت عام2000

وجعل لهذه الحركة الثقافية الدولية وزنا سياسيا ولأن الثقافة الديمقراطية الفرنسية لديها مشاكل نفسية مع ذلك الطراز من رؤساء الجمهوريات العرب الذين يرفضون الوصاية الفرنسية مثل الرئيس اللبناني والرئيس السوري، وباعتذار رئيس الوزراء عن الحضور فشلت محاولة للوقيعة بين القوى اللبنانية، وبغياب القيادات العربية عن مثل هذا المؤتمر خسرت فرنسا أيضا مشاعر لبنانيين يعارضون «لحود» وخسرت الفرانكوفونية عرباً يخالفون سوريا.

وفي الوقت الذي تستعصي فيه الثقافة «الآرابوفونية» على الذوبان في «الفرانكوفونية» وفي «الأنجلوفونية» وفي «العولمة الأميركية»، تشعر الأمة العربية الهائلة الثراء بالقيم الدينية التي نزلت من السماء على الأنبياء، وكانت أرضها هي حاضنة رسالاتها، وشعبها هو المبشر بها في العالمين، أنها أمة حوار مع الآخر لا تبعية، وأمة كرامة لا مذلة، وأمة سلام لا استسلام، حاملة رسالة السماء للأرض لخير الإنسانية، والوريث الشرعي والتاريخي لأولى الحضارات العالمية التي انفتحت على البشرية كلها وخاصة على أوروبا من الأندلس بضياء العلوم والثقافة والمدنية في عصور الظلام.

ومن هنا ترتطم محاولات الاستعمار الجديد والهيمنة وغارات الغزو الثقافي من قوى أوروبية ليست لها عمق الجذور، وأميركية ليست لها أية جذور، كما سبق وارتطمت من قبل بمقاومة شعبية عربية وإسلامية، ثقافية وحضارية، مما دفع تلك القوى للعداء لكل ما هو ديني إسلامي وقومي عربي باعتباره ذخيرة المقاومة للتبعية ودرع المناعة على الخضوع، ونبع النضال من أجل التحرر، من كل أشكال الاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي، بأشكاله القديمة والجديدة.. مع إدراك عميق بأن التحرر الثقافي هو أعلى مراحل الاستقلال

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com