لماذا هذه الضجة الأميركية الكبرى حول تجربة نووية جديدة تجريها كوريا الشمالية؟ المسؤولون الأميركيون يقولون إن التسليح النووي في كوريا الشمالية يتهدد سلام العالم. هل هذه نكتة؟! كيف لا يتهدد سلام العالم من ترسانة أميركية تضم آلافاً مؤلفة من القاذفات النووية وترسانة نووية مماثلة تملكها روسيا وسلسلة من الترسانات النووية في بريطانيا وفرنسا والصين بالإضافة إلى الهند وباكستان بينما لا تملك كوريا الشمالية سوى مخزون متواضع لا يصل إلى عشر قنابل نووية حتى لو نجحت التجربة الأخيرة؟

أجل إنه حقاً مخزون متواضع. لكنه يكفي لحماية كوريا الشمالية من أي مغامرة عسكرية أميركية. فلولا الرادع النووي لما تأخرت الولايات المتحدة في استخدام قواعدها العسكرية والجوية والبرية عبر الحدود في كوريا الجنوبية وقواعدها الأخرى في اليابان لتدمير البنى التحتية قاطبة في كوريا الشمالية والإطاحة بنظامها الاشتراكي.

فما يجعل الولايات المتحدة تتردد في التعامل مع كوريا بأسلوب التعامل الأميركي مع العراق وأفغانستان هو إدراكها أنه بمجرد ظهور مؤشرات غزو على شاشات الرادار الكورية الشمالية فإنه ستنطلق على الفور صواريخ كورية عابرة للقارات وذات رؤوس نووية لتطال لوس أنجلوس وواشنطن ونيويورك وغيرها. سلام العالم ليس هاجس أميركا، وإنما هاجسها هو أن كوريا الشمالية تكاد تكون ـ بعد الصين ـ الدولة الوحيدة المستقلة عن الاستراتيجية الأميركية في شرق آسيا.

الظاهرة النووية العالمية هي إذن ظاهرة سياسية وإلا فكيف نفهم أن الولايات المتحدة تقيم الدنيا بشأن التسلح النووي في كوريا الشمالية بينما تلتزم سكوتاً منهجياً تجاه الترسانة النووية لكل من الهند وباكستان؟ سياسة السكوت الأميركي تجاه البرنامج النووي الهندي ظلت سارية المفعول منذ تدشين هذا البرنامج خلال سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم. وأكثر من ذلك فإن إدارة بوش وقعت مؤخراً اتفاقية مع نيودلهي تتيح تقديم مساعدة تكنولوجية نووية لذلك البرنامج.

أما البرنامج النووي الباكستاني فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة ظلت تعارضه وتطالب بتصفيته إلى أن وقعت «أحداث سبتمبر» في الولايات المتحدة. حينئذ أوقفت واشنطن معارضتها للبرنامج الباكستاني بعد أن قرر الرئيس مشرف الانضمام إلى الحرب الأميركية ضد «الإرهاب». وأما ذروة التسييس الأميركي للظاهرة النووية فإنها تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط حيث تقود الولايات المتحدة حملة غربية ضد البرنامج النووي الإيراني الذي لم يبلغ مرحلة تصنيع أسلحة بينما تسكت تماماً عن ترسانة إسرائيلية تضم مئات من القذائف النووية المتنوعة.

مما لا شك فيه أن السلاح النووي ـ مع أسلحة الدمار الشامل الأخرى ـ يهدد مصير البشرية وكوكب الأرض. لكن إذا كانت قوى دولية كبرى كالولايات المتحدة جادة وصادقة في قلقها تجاه مصير العالم فإن عليها أن تتبنى دعوة عامة ـ وليس انتقائية ـ لتخليص البشرية من هذه الأسلحة، وأن تبدأ بتدمير ترساناتها أولاً.