في العراق وفلسطين المحتلين تدور حلقات مسلسل احداثه موغلة في الدموية وكذلك في العبثية.. أشقاء الدم والوطن والدين والانتماء والهمّ والقضية يقتتلون والمحتل يفرك يديه فرحا ويتفرج في الظاهر فيما يصب الزيت على النار في الخفاء.. فإلى متى يستمر هذا المسلسل؟ ألا تكفي نكبة الاحتلال حتى نزيدها نكبة الاقتتال؟

في العراق الذي تعايش فيه السنّة والشيعة على مدى عقود.. واختلطوا وتزاوجوا ومارسوا العيش المشترك في كل تفاصيل الحياة.. حتى صرنا نجد أفخاذا من نفس العشيرة السنية ينتمون إلى الطائفة الشيعية.. تماما كما نجد فروعا سنية للعشيرة الشيعية.. وكنا نظن أن خيمة الوطنأرحب من عباءة الطائفة وهو ما يجعل كل النعرات الضيقة تتكسر وتتلاشى أمام قدسية الوطن.

لكن مع انتصاب الاحتلال الأميركي في العراق مصحوبا بالميليشيات التي رضعت حليب الطائفة السياسية خارج حدود العراق فتح السواد الأعظم من أبناء الشعب العراقي بسنته وشيعته عيونهم على معطيات جديدة بدأت تدفعهم دفعا للخروج من نعيم الوطن والانزلاق إلى جحيم الطائفية ونيرانه التي لا تبقى ولا تذر.

ومهما اجتهد الخيرون من أبناء الطائفتين في تهدئة الأمور والدفع نحو ضبط النفس لتجنيب البلد نار الفتنة الطائفية.. رغم ذلك فإن مهندسي الاحتلال ومخططي ما يسمى العراق الجديد مصرون على إعادة صياغة العراق على أسس عرقية وطائفية بما يعنيه ذلك على الميدان من قتل على الهوية ومن تهجير طائفي.

وهي ممارسات طالت وتطال مئات آلاف العراقيين.. كل هذا في حين يتسلى الاحتلال الأمريكي بالفرجة ويمضي في تنفيذ مخططاته المشبوهة رغم حجم الورطة التي تعاني منها قوات الاحتلال.. ومن يدري، غدا وحين تنضج الطبخة الأميركية سنجد في العراق حلا على الطريقة اليوغسلافية يفضي الى تفتيت العراق وتقسيمه على أسس طائفية.

وهو بالمناسبة حل يمضي فيه الأكراد وبعض القيادات الشيعية القادمة من خارج العراق والتي تدفع الأمور بهذا الاتجاه وان غلّفت النوايا بما يسمى النظام الفيدرالي.

في فلسطين المحتلة بتنا نعيش بدايات نفس السيناريو تقريبا.. لكن على أسس سياسية هذه المرة وليس على أسس طائفية أو عرقية.. الانتماء الحزبي هنا هو الذي ينوب عن الطائفة أو المذهب.. وبالمحصلة فإن عباءة الحزب أو الاتجاه السياسي هي التي تتقدم على خيمة الوطن والاعتبارات والانتماءات السياسية هي التي تتفوق على قداسة القضية.

ولئن كانت التناقضات كامنة وتتفاعل تحت الرماد منذ سنوات فإن صعود حركة حماس الى رئاسة الحكومة قد أفضى الى اخراج هذه التناقضات الى العلن.. وذلك بمساعدة الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية التي انصبت على الحكومة الفلسطينية خصوصا وعلى القيادة عموما.

وكلها ضغوط أريد لها أن تفضي الى النتيجة التي نشهد بداياتها هذه الأيام على الميدان.. ممثلة في تخطّي الخط الأحمر ممثلا في الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني.. لينطلق السلاح الفلسطيني الى الصدر الفلسطيني بدل ان يتوجه الى الوجهة الصحيحة ممثلة في الاحتلال الذي مازال يجثم على صدور المقتتلين والمتفرجين.

والذي ينتظر منهم إحراق آخر أوراقهم ممثلة في الوحدة الوطنية ليلتهم الجميع ويركعهم ويملي عليهم (جميعا) كل اشتراطاته.. كما ينتظر منهم أن يحطموا آخر سفنهم ممثلة في عدالة وقداسة القضية ليغرق الجميع في الطوفان.

وقد لا تهدأ نار الفتنة وقد لا يفيق أبناء الوطن والقضية والاخوة في النضال وفي الخضوع للاحتلال الا وقد بلغوا طريق اللاعودة.. وأية هدية أفضل من هذه يمكن أن يقدّمها الفلسطينيون للمحتل الذي يغذي الحريق ويتربّص بالجميع؟

فمتى يفيق أبناء الشعبين العراقي والفلسطيني من سكرة الاقتتال الطائفي هذه؟ ومتى يدركون بأن العدو الحقيقي هو المحتل الأميركي والاسرائيلي؟ ومتى يقتنعون بأن دم الأخ والشقيق خط أحمر وبأن السلاح هو سلاح مقاومة مهمته الرئيسية والمقدسة هي دحر المحتل وتحرير الوطن؟

ومتى يتحرك ـ الأشقاء ـ العرب لإطفاء هذه النار الخبيثة التي أشعلها الأعداء في العراق وفلسطين ولا أحد يضمن ألا تنتقل الى ساحات أخرى.. وما يحدث مع لبنان والسودان على الأقل هو مقدمات للحريق الكبير الذي يراد أن يخرج من رماده ما يسمى الشرق الأوسط الكبير.