الى أين يمكن أن يصل نكء الجراح في لبنان؟ وهل أصبح نبش الملفات جزءاً من عدة الشغل للسياسيين ؟ غريبٌ أمرهم، فإذا ما استمروا على هذه الوتيرة فبامكانهم أن يعودوا ليس الى بدايات الحرب، منذ العام 1975 فحسب، بل الى أحداث 1860، إذا تطلَّبت مصالحهم ذلك! ومَن يدري؟وقد تقتضي مصالحهم أن يغوصوا في أعماق التاريخ تعزيزاً لحجة لديهم أو تسجيلاً لموقف على خصومهم، فهل هذا هو المطلوب؟

إذا سرنا وفق هذا المنطق وهو ليس بمنطق في أي حال، فلا أحد فوق رأسه خيمة تقيه شرور الملفات، فالجميع مثقل بالكثير منها بدءاً من العام 1975 وصولاً الى العام 1990، يكفي أن نُعدِّد عناوين الحروب ليكتشف الرأي العام أن الجميع متورِّطون في الملفات:

فمن حرب التحرير الى حرب الإلغاء الى حرب الجبل الى حرب العلمين الى حرب المخيمات الى حرب طرابلس. في كل هذه الحروب سقط ضحايا وارتُكِبت فظائع، فإذا لم يتم طي هذه الملفات فإنها ستبقى مفتوحة أمامنا ولن يعرف لبنان سلماً أو سلاماً ولو بعد مئة سنة.

ألم تقع حروب في اميركا بين الشمال والجنوب؟ ألم تقع حروب بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا؟ أُقفِلت هذه الملفات وتصالح المتحارِبون وبنوا دولهم، ولم يعودوا عند كل خلاف في ما بينهم الى حروبهم والى فتح ملفاتها، عندنا الأمر مختلف، نختلف في السياسة (فنفشُّ خلقنا) بفتح الملفات التي اصبحت غُبَّ الطلب نستحضرها لممارسة الكيد على خصومنا.

كانت حرب الجبل من أقسى الحروب في لبنان الى درجة ان المصالحة فيه استدعت ان يقوم البطريرك صفير بجولة فيه توَّجها بزيارة قصر المختارة حيث انعقدت المصالحة التاريخية، فلماذا يعود العماد عون اليوم الى ما قبل هذه المصالحة ليفتح جرح العام 1977، اي قبل حرب الجبل بستة أعوام، ليُذكِّر بالأحداث التي أعقبت اغتيال كمال جنبلاط؟

وهل يجوز لأحد السياسيين، إذا كان مختلفاً مع النائب سعد الحريري اليوم، ان ينسب كلاماً الى الرئيس رفيق الحريري عن ربط تسديد الديون على لبنان بتوطين الفلسطينيين في لبنان ؟ أليس هذا الكلام تحريضاً للسنَّة من انصار الرئيس الشهيد ؟

ماذا سيكون عليه موقف العماد عون إذا ما خرج أحد خصومه غداً ليفتح ملف حرب التحرير وما خلَّفته من خسائر ودمار ؟ طبعاً سيرد العماد عون على ذاك الخصم بملف يدينه أيضاً، وهكذا دواليك الى درجة نكون فيها نعيش في جمهورية (الملفات المنبوشة)، فهل هذا هو المستقبل؟

لماذا لا يكون الصراع على استنباط أفكار للحاضر بدل نبش ملفات الماضي؟هل أفلس السياسيون الى درجة لم يعد أمامهم سوى الإستعانة بملفات الماضي؟إنطباعٌ مخيف لأن الملفات لا تنتهي، وفتحها من جديد يجعلنا نتقهقر الى التاريخ والوراء بدل التطلع الى المستقبل والى الأمام.