صدر عن «مجموعة الأزمات الدولية» ـ مقرها بروكسل ـ نداء يدعو إلى عقد مؤتمر دولي، لتنشيط جهود «عملية السلام»؛ تحت عنوان «نحو تسوية شاملة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي». الدعوة المذيلة بتوقيع 135 شخصية عالمية من زعماء سابقين من بينهم رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء للخارجية والدفاع وبرلمانيون ورؤساء منظمات دولية وغيرهم من الشخصيات السياسية والدينية والأكاديمية.
وحث النداء على القيام بتحرك دولي عاجل؛ في هذا الاتجاه. فالمنطقة، كما جاء فيه، تعيش أسوأ أزماتها ولم تعد قادرة على الاستمرار بهذه الصورة؛ وإلا تفاقم العنف وعدم الاستقرار فيها، ليفيض إلى خارجها. وأعرب الموقعون عن دعمهم لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية. بل طالبوا بحشد الدعم لهذه المهمة.
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من عدة أمور:
أولاً أنها اقترنت بأسماء شخصيات مرموقة، من مختلف الساحات الدولية، منها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، ديموند توتو من جنوب إفريقيا وغيرهم من الأوروبيين والآسيويين والعرب.
ثانياً أن المؤتمر المنشود التي دعت إليه، يجب أن يستند إلى القرارات الدولية المعنية؛ من القرار 242 إلى «خريطة الطريق»، في توجهاته لتحقيق السلام الشامل؛ وعلى كل الجبهات الفلسطينية واللبنانية والسورية. خاصة وجوب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية ذات «سيادة مستقلة وقابلة للحياة»؛ وإعادة «الأراضي التي خسرتها سوريا».
الأهمية الثالثة وربما هي الأهم، أن هذا النداء صدر في اللحظة التي تقوم فيها الوزيرة رايس بجولة في المنطقة، وبعد لقائها أمس مع الرئيس الفلسطيني. وكأن في ذلك إشارة إلى أن تحرك إدارة الرئيس بوش لا يرتجى منه خير. فهو متأخر ومجتزأ ولا يخرج عن سياسة إدارة الأزمة وشراء الوقت. وبذلك بدت المبادرة وكأنها إدانة مبطنة لتعامل هذه الإدارة مع الأزمة الأساس في المنطقة. لقد مضى حوالي 6 سنوات على وجودها في الحكم، من دون أن يحصل أي تقدم، في هذا الملف.
بالعكس حصل المزيد من التراجع والتعقيد والانفلات العدواني الإسرائيلي، بغطاء أميركي فاضح. حتى أبسط الأمور، لم تساعد واشنطن على معالجتها: مثل تسديد العائدات الجمركية الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل وترفض تسليمها للسلطة الفلسطينية. كل ما وعدت به رايس، أمام الرئيس عباس، هو العمل «قدر استطاعتها» على تخفيف المتاعب الحياتية للفلسطينيين! وكأنها عاجزة فعلاً عن ذلك!
من هنا فإن صدور هذا النداء عن مثل هذه الهيئة جاء في وقته ومحله. القضية لم تعد قابلة للتعاطي معها بالطرق المألوفة التي ثبت عجزها وعدم جدواها. فهي تحتاج إلى تحرك أو صيغة من صنف غير الاعتيادي. وهنا السؤال: كيف يمكن ترجمة هكذا مبادرة، تتوفر فيها هذه المواصفات وتتقاطع في غاياتها مع «المبادرة العربية» المعروفة؟
الكرة أولاً، في الملعب الفلسطيني؛ المطلوب منه ترتيب شؤون بيته الداخلية. فهو الآن في حالة لا يحسد عليها. تفاصيلها معروفة. وهي تهدد البيت وأهله وقضيته. والخطوة الأولى والتي بات العالم يدعوه إلى تحقيقها تتمثل في التوافق على حكومة وحدة وطنية. الكل يتحدث عنها.
وفي ذات الوقت كل يوم يمر صارت تبدو فيه وكأنها أبعد عن التحقق. ومن دون هذه الخطوة سوف يبقى من الصعب على العالم كما على المنطقة، أن يدفع باتجاه عقد مثل هذا المؤتمر، الكفيل بإحياء الحل الشامل، الذي من دونه يبقى السلام مجرد سراب.