تمر المنظمة الأممية منذ العام 2001 بأخطر وأدق مرحلة من مراحل التغيير و إعادة التشكل على أسس مختلفة من قراءة القانون الدولي والتوازنات العالمية التي سادت المنظمة منذ إنشائها عام 1945 الى الحادث الذي ضرب الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر.

ولعل الرأي العام العربي تابع باهتمام الجدل الأخير الذي هز أركان الجمعية العامة بنيويورك، حين تصادم المنطق الأميركي مع المنطق المناهض لأميركا من غير العرب على لساني الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز. وكان الجدل يمس جوهر العلاقات الدولية ومنزلة الولايات المتحدة في منظمة الأمم المتحدة،

ووضع معان موضوعية دقيقة ومبتكرة لكثير من المصطلحات المستعملة في القاموس السياسي مثل الإرهاب والاحتلال والهيمنة والاستقلال والرقابة والتدخل، وكذلك وهو الأهم إعادة ترتيب أجندة لتوزيع الثروة العالمية وتزويد الاقتصاد الدولي بالمحروقات والمواد الأولية وحق الشعوب في امتلاك الطاقة النووية وإعادة النظر في النظام النقدي العالمي القديم المسمى بنظام بريتن وودس.

هذا المناخ العاصف يهب على المنظمة وهي تحتفل بذكرى تأسيسها الستين، و قد فشلت في أن تكون بعد هذا العمر الطويل و كما برمج لها مؤسسوها أداة السلام في العالم والجامعة للشعوب والمعززة للتعاون والضامنة للحقوق والدافعة للتنمية والساهرة على الأمن الدولي والمحافظة على كرامة الإنسان.

فالإخفاق الساطع الذي يدركه حتى متحملو المسؤوليات الكبرى في البرج الزجاجي بمانهاتن، هو فشل سياسي وحضاري واستراتيجي، لعل أرقام ضحايا الحروب الكبرى والأزمات الإقليمية التي حدثت خلال العقد والنصف الأخير والتي تبلغ سبعة ملايين من البشر تشكل أعظم وأبلغ ادانة لجهاز أممي لم تعد له أية قدرة حقيقية على فرض السلام أو حتى تهيئة ظروفه.

والمتابع لخطاب الرئيس بوش في الجمعية العامة الأخيرة يقرأ تلك التحولات المدوخة التي طرأت على روح المنظمة وتجاوزت بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وميثاق المنظمة ذاتها، لأن الرئيس الأميركي تكلم من على المنبر الأممي كما يتكلم من البيت الأبيض، من منطلق المصالح الأميركية لا من منطلق المصلحة الكونية العليا التي تبرر وجود المنظمة الأممية.

وهو أول خطاب لرئيس أميركي بهذا المعنى الوطني الضيق الصريح، اختلف جوهريا مع خطب الرؤساء الأميركيين منذ روزفلت الى كلينتون، بحيث تخلى عن التزويق الدبلوماسي الذي حرص كل الرؤساء الأميركيين على مراعاته حتى في الشكل، ليعلن بقوة عن ميلاد منظور جديد وغريب للعلاقات الدولية على أساس القوة الطاغية لا على أساس القانون الدولي، ومن منطلق الإملاء والفرض لا من منطلق الوفاق والتشاور واحترام إرادة الأمم.

ولعل المفكر الأميركي المستقل الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001 المستشار السابق للرئيس كلينتون ونائب رئيس البنك العالمي الأستاذ الشهير جوزف ستيغليتز على حق حين كتب فصلا في كتابه الأخير الصادر هذه الأيام بنيويورك بعنوان (عالم مختلف) خصصه لإخفاق المنظمة الأممية وشرح محطات ذلك الاخفاق في العراق حيث انسحبت المنظمة الأممية تاركة المبادرة للولايات المتحدة،

وقال ستيغليتز بأن ضحايا تلك الحرب بلغت الى اليوم حوالي مئة ألف عراقي و2750 جنديا أميركيا أي نفس عدد ضحايا البرجين، كما أن هذه الحرب كلفت ميزانية الولايات المتحدة أكثر من 1500 مليار دولار، وأن مهمة المنظمة الأممية انحصرت في التأكيد على أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل عبر تقرير هانس بليكس، لكن المحافظين الجدد لم يكونوا ينتظرون أي نتائج لتقارير الأمم المتحدة لأنهم قرروا احتلال العراق وهم مدركون بأن لا علاقة تربط بين صدام و بن لادن.

يقول الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد: إنها كارثة حقيقية، فتصوروا ماذا كان بالإمكان أن نفعل بالألف ونصف مليار دولار لو مولنا بها عمليات التنمية في إفريقيا والشرق الأوسط! يقول الأستاذ ستيغليتز بأننا كنا نحقق الهدف المنشود وهو القضاء الكامل على الإرهاب بفضل التعاون الدولي الحقيقي عبر القنوات الأممية!

ويتهم صاحب جائزة نوبل اللوبيات التجارية والشركات النهمة بتوريط أميركا في ممارسات أفقدتها حسب رأيه هيبتها ومصداقيتها وأسسها الأخلاقية.و حين نرى اليوم بداية العودة القوية لروح عدم الانحياز في مؤتمر هافانا الأخير ومواقف دول عديدة من أميركا الجنوبية، ندرك بأن نفس الظروف التاريخية التي أنشأت منظمة دول عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ عام 1955 تتكرر لتعطي دفعا

و تعزيزا للشعوب التي يئست من المنظمة الأممية بشكلها الراهن و شرعت تشكل حركة مختلفة يقودها زعماء تخلوا عن ربطة العنق مثل مورالس وشافيز ولولا والسيدة باشلي وفيدال كاسترو واحمدي نجاد وإسماعيل هنية واخرون قادمون من أعماق الأمم المستضعفة التي لم تعد ترى في المنظمة الأممية سوى العجز والتبعية والإخفاق.

alqadidi@hotmail.com