لا يجب أن يثنينا «أسف» بابا الفاتيكان عما بدر منه بحق الإسلام والرسول الكريم عن الدور الجديد الذي يمكن أن تلعبه قيادة الكاثوليك بالعالم أجمع لخدمة مشروع استعمار غربي جديد، في إعادة محفوظة ومكشوفة لما جرى في القرون الوسطى، حين كان الفاتيكان يحرض الأمراء الأوربيين على المسلمين، ويطالبهم بأن يخلصوا بيت المقدس من أيديهم، ويحتلوا بلادهم، ويغرفوا من ثروات الشرق ما وسعهم.

وفي السنوات الأخيرة مارس الفاتيكان هذا الدور السياسي الواضح لحساب «الرأسمالية العالمية» في محاربتها للشيوعية، وقام البابا السابق يوحنا بولس الثاني بجهد كبير في هذا المضمار، بادئا بمسقط رأسه بولندا. ويبدو أن البابا الحالي يريد أن يكمل المسيرة بمحاربة الإسلام، الذي اتخذه اليمين الأميركي المتطرف عدوا، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي المنهار.

وهذا ليس محض افتراء، ولا اتهاما بلا دليل، فهناك وثيقة تبين أن بنديكت السادس عشر شارك بفاعلية في حض الكنائس الأميركية على الوقوف وراء الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما لا يمكن نسيان دوره في محاربة حركة «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينية، والتي كانت تنهل من المسيحية فكرا إنسانيا اشتراكيا مضادا للتوحش الرأسمالي.

وما تفوه به البابا حول الإسلام لا يمكن فهمه بعيدا عن مقولة «صدام الحضارات» للباحث الأميركي صمويل هنتنجتون التي تقوم على تصور مفاده أن المصدر الأساسي للنزاعات في العالم الجديد لن يكون مصدرا أيديولوجيا أو اقتصاديا في المحل الأول، بل ثقافيا يتأسس على الدين، وأن الدول ـ الأمم ستكون هي أقوى اللاعبين في الشؤون الدولية،

وأن النزاعات الأساسية في السياسات العالمية ستحدث بين أمم ومجموعات لها حضارات مختلفة، وسيسيطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية، وستكون الخطوط الفاصلة بينها هي خطوط المعارك في المستقبل. والحضارة في نظر هنتنجتون هي «أعلى تجمع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية للشعب، ولا يسبقها إلا ما يميز البشر عن الأنواع الأخرى، وهي تتحدد في آن معا بالعناصر الموضوعية المشتركة مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسسات».

لكن ما هي الحضارات التي ستتصادم ؟ ولماذا ؟.. من وجهة نظر هنتنجنتون فإن التصادم سيقع بين سبع حضارات موجودة في عالمنا المعاصر، هي الغربية، والكونفوشيوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندية، والسلافية الأرثوذكسية، والأميركية اللاتينية، وربما الافريقية. والسبب في هذا التصادم يكمن، في رأي هنتنجتون، في ستة عناصر أساسية، أولها أن الفروق بين الحضارات مسألة جوهرية،

حيث هناك اختلاف بينها في التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد، والدين، وهو الأهم في هذا المضمار. وهذه الفروق أكبر من الاختلافات بين الأيديولوجيات السياسية، وقد نشبت على مر القرون الماضية نزاعات مريرة جراء هذه الاختلافات. وثاني هذه العناصر، أن عملية التحديث الاقتصادي والتغير الاجتماعي أضعفت الأمة كمصدر للهوية،

وفككت الهويات المحلية القديمة، وفتحت الطريق أمام الدين ليملأ هذه الفجوة. أما الثالث فهو أن العالم صار «قرية صغيرة»، بفعل ثورة الاتصالات، ومن ثم تزايدت التفاعلات بين الشعوب، الأمر الذي عزز الوعي بالاختلافات السابق ذكرها، والعداوات التي تضرب أو يعتقد أنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني.

ويرتبط العنصر الرابع بخصائص الفروق الثقافية ذاتها، إذ انها أقل قابلية للتبدل. فإذا كان السؤال الرئيسي في النزاعات الطبقية والأيديولوجية هو: إلى أي جانب نقف؟، وكان في مقدور الناس أن يختاروا الجانب الذي يميلون إليه، فإن السؤال المثار في النزاعات بين الحضارات هو: من أنت؟، وتلك مسلمة لا يمكن تغييرها.

ويتمثل العنصر الخامس في تنامي الدور الذي تلعبه الخلفية الثقافية في النزعة إلى إقامة التكتلات الاقتصادية. ويتعلق العنصر السادس بالدور المزدوج حيال الغرب، فهناك اتجاه للانكفاء إلى الداخل والعودة إلى الجذور في بعض المناطق من العالم، وفي المقابل صارت الجماهير في أماكن أخرى أكثر تعاطيا مع القيم الغربية، بعد أن كانت النخب فقط في الماضي هي الموالية للغرب.

وقد لاقت مقولة هنتنجتون صدى عالميا كبيرا، رغم أن الحديث عن النزاع بين الحضارات ليس جديدا، إذ كان الألمان قد أدخلوا مصطلح «الصراع الثقافي» أو الحضاري في مناهجهم السياسية أيام النازية، وألفوا حول هذه الفكرة العديد من الكتب. لكن هنتنجتون أعطى هذا التوجه عمقا حين خلع عنه الرداء الأيديولوجي الذي منحته إياه النازية، وأعطاه بدلا منه ثوبا علميا، من خلال الاستشهاد بالأحداث والوقائع المواقف والإحصاءات التي تبرهن على مقولة «صدام الحضارات».

وهناك انتقادات عديدة وجهت لهذه المقولة، سواء في الغرب أو في الشرق. فهناك كتاب صدر باللغة الفرنسية لكل من ألان كريش وطارق رمضان، انتقد فيه المؤلفان ما ذهب إليه هنتنجتون، واعتبرا أن مقولته لا تصلح لعالم معقد متعدد الأقطاب، وأنها جعلت من الإسلام فزاعة للغرب.

وهاهو الفيلسوف العربي الشهير محمد عابد الجابري يرى أن مقولة صدام الحضارات من الناحية العلمية مجرد وهم، وهي لديه رجما بالغيب و«فكرة غير معقولة، إذ يجب أن تكون الحضارات عبارة عن صحون أو سيارات أو ما أشبه هذا أو ذاك حتى يمكن نصورها تتصادم»، لكنه يؤكد أن هذه الفكرة من ناحية الاستراتيجية السياسية والعسكرية والثقافية تنطوي فعلا على قضية، وأن قطبي الصراع الأساسيين فيها هما الغرب والإسلام.

والقول بصدام الحضارات يضع الحضارة العربية ـ الإسلامية في مواجهة الحضارة الغربية رأسا، وبشكل أكثر حدة مما سيكون عليه وضع الحضارات الأخرى في صدامها مع حضارة الغرب. والحديث عن نهاية التاريخ، الذي أسس له الباحث الأميركي فرانسيس فوكوياما، يصادر على تصورات ذهنية وأعماق عقدية للمسلمين، تؤسس لطريق آخر ستسلكه حركة التاريخ البشري.

وبالطبع فإن مثل هذا الطرح الفكري الغربي لا ينطوي على تفكير ديني سليم، لكنه يضع الدين المسيحي في خدمة السياسة الغربية، وخصوصا «الصهيونية المسيحية»، التي تؤمن بحتمية الصراع بين الغرب والمسلمين، والتي راحت منذ بداية التسعينات تسعى بكل جهد في سبيل فعل كل ما من شأنه تحقيق النبوءات التي تؤمن بها، وهي تزعم أن هناك ميثاقا أو وعدا إلهيا يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين، وأن السيد المسيح سيعود ويشهد قيام دولة صهيون.

ولم تستطع الكنائس الإنجيلية والتي تشكل الجسم الرئيسي للبروتستانت الأميركيين أن تلعب أي دور مؤثر لموازنة قوى اليمين المسيحي، بل اضطر بعضها لمجاراة المنظمات والجماعات المدنية المتشددة في تصوراتها مثل المورمون وشهود يهوه. ويبدو أن هذا الاضطرار قد امتد إلى الفاتيكان، الذي يساند الجمهوريين ضد الديمقراطيين في أميركا، ويخشى من تمدد الإسلام في أوروبا وأميركا ذاتها، ويداهن اليهود ويميل إلى مشروعهم السياسي الاستيطاني المتمثل في إسرائيل.

ولمواجهة هذا التوجه الاستعماري الجديد، يجب على المسلمين أن يبذلوا جهدا مضاعفا في الوصول إلى الجماهير الغفيرة في الغرب، التي لا تؤمن بصراع الحضارات، وتجهل الكثير عن الإسلام، وتغفل عن مآرب بعض النخب السياسية الحاكمة. ومن الضروري أن يتأسس هذا الوصول على خطاب إسلامي جديد ومنفتح،

ينتقد التوجهات المتطرفة، ويعلي من إنسانية الإسلام وعالميته، وحضه على حرية الاعتقاد والتفكير، وتأكيده على الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، وإيمانه بالحرب الدفاعية العادلة، وتأسسه على الوحدانية والعلاقة المباشرة مع الله، وتفهمه للتعايش الإيماني بين أصحاب الرسالات السماوية بعيدا عن المشروعات السياسية التي توظف الدين.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة