جولة جديدة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في المنطقة، تباينت رؤية المحللين لأهدافها، وان اتفقت على أهميتها. فالجولة تأتى في ظروف دقيقة وأوضاع خطيرة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، بدءا بالخلاف الفلسطيني الفلسطيني، مرورا بالتراشق السياسي في لبنان، وانتهاء بالوضع المأساوي بالعراق.

ملفات شائكة حاولت رايس أن تجد خلال مباحثاتها في عواصم المنطقة حلا لها يتناسب مع وجهة النظر الأميركية، وهنا مكمن الخطر. فبغض النظر عن المسميات التي أطلقها البعض على سعي رايس لتكوين ما يعرف بـ (جبهة المعتدلين) فان الأهم هو معرفة الرؤية الأميركية لدفع الأمور إلى الأمام،

فإدارة الرئيس بوش مازالت تنظر إلى حكومة حماس باعتبارها السبب الرئيسي فى تفاقم الأوضاع الفلسطينية، والى المقاومة اللبنانية على أنها دولة داخل دولة، والى المقاتلين العراقيين باعتبارهم جماعات إرهابية، وسعي ايران لامتلاك التكنولوجيا النووية على انه تهديد للأمن الدولي.

هذه هى محددات وركائز السياسة الأميركية التي انطلقت على أساسها رايس فى جولتها، فهل تتفق (جبهة المعتدلين) مع هذه الرؤية؟ تصريحات رايس بالقاهرة وبعد اجتماعها مع ثمانية من وزراء الخارجية العرب، كانت صريحة وواضحة، حيث شددت على أن الوزراء ناقشوا كيفية مساعدة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والحكومة اللبنانية بوجه كل من حماس وحزب الله.

وهنا يتساءل المراقبون: هل مطلوب من جبهة المعتدلين سد الطريق أمام حماس والمقاومة اللبنانية وقطع العلاقات معهما؟ هل مطلوب من عواصمنا العربية تأجيج الصراع الداخلي في فلسطين ولبنان؟ ولحساب من كل ذلك وما هو المقابل؟ صحيح أن الواقع العربي مؤلم ومهلهل،

وفى ظل هذا الواقع حولت إسرائيل إرهاب الدولة الذي تمارسه ضد الفلسطينيين إلى دفاع عن النفس، والمقاومة الشرعية ضد الاحتلال إلى إرهاب يجب القضاء عليه.. وصحيح أن غياب الدور الريادي لمصر في المنطقة، قد أضر بالتوازن لصالح إسرائيل، صحيح كل ذلك، ولكن أن يدفع العرب إلى الاصطفاف إلى جانب طرف فلسطيني أو لبناني ضد آخر، فهذا هو مكمن الخطر الذي تكمن فيه بوادر الحروب الأهلية وبالتالي تصفية القضايا العربية.

وإذا كانت واشنطن جادة بالفعل فى سعيها نحو إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، فإنها تدرك قبل غيرها أن المفتاح الحقيقي لترجمة ذلك يكمن في النظرة المنصفة والعادلة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وترك الشعب اللبناني ليختار طريقه بحرية، وأن تسحب قواتها من العراق، أو على الأقل تضع جدولا زمنيا لذلك.

وإذا كانت الإدارة الأميركية مخلصة حقا في سعيها للقضاء على الإرهاب، فان أولى خطوات تحقيق ذلك، هى معالجة أسبابه لا تغذيته بمواقف عدائية ضد القضايا العربية، وانحياز أعمى لإسرائيل.أما عواصمنا العربية فهى مطالبة بالارتفاع إلى مستوى المسؤولية وفهم أبعاد التحرك الأميركي الجديد،

والذي يهدف إلى توظيفها في مهمة عجزت الآلة العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقها في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية تحت ذريعة تخويفهم من التطرف الذي يهددهم، إن لم يسارعوا إلى مواجهته من خلال جبهة اعتدال موحدة، حتى لو ضمتهم مع إسرائيل. وفى النهاية، ليت رفقاء السلاح في فلسطين يعوا ما يدور حولهم ويلتفوا حول هدف واحد ويرتفعوا إلى مستوى الخطب الذي يحيط بهم وبأمتهم العربية لان الثمن سيكون غاليا، وحساب التاريخ سيصبح عسيرا.