لا تختلف الحملة التي يشنها الغرب الآن ضد العرب والمسلمين عما قال به باتاي عام 1976، فالافتراءات التي أطلقها وعممها باتاي ضد الإنسان العربي، والتي منها أنه كسول، انفعالي، مضطرب، شهواني، مولع بالجنس، عدواني، يمكنه أن يقتل لأي سبب تافه، تجد لها الآن متسعاً عبر المؤسسات البحثية الغربية، الأميركية منها بالأساس، ناهيك عن الاحتفاء بها من خلال المؤسسات اليمينية الأميركية، وبشكلٍ خاص مؤسسة الرئاسة.
ومن اللافت للنظر هنا أن كتاب باتاي نفسه قد تلقفته المؤسسة العسكرية الأميركية بحيث أصبح طوال العقود الثلاثة الماضية هو بوابة التعريف التي يستقي منه القادة الأميركيون وجنودهم معلوماتهم عن العالم العربي، بل إنه كان يتم تداوله عبر المؤسسات الدبلوماسية الأميركية المختلفة العاملة في المنطقة العربية.
وربما لهذا السبب يمكن تفسير تلك العدوانية البربرية، في أبعادها الجنسية، التي قام بها الجنود الأميركيون ضد ضحاياهم في سجن أبوغريب في العراق. فالممارسات التي قام بها هؤلاء الجنود تمت من خلال إطار معرفي عنصري مسبق يتم تداوله وتغذيته بتلك الكتابات التي ثبت عدم علميتها على شاكلة كتاب العنصري باتاي، وغيره من الأميركيين البيض مثل برنارد لويس، أو غيرهم من العرب المهاجرين إلى أميركا.
تندرج هذه النوعية من الكتابات تحت ما يسمى بدراسات الشخصية ومحاولة تنميطها، بحيث يمكن الحديث عما تتسم به شخصية شعب ما من سمات وخصائص عامة تميزها في النهاية عن غيرها من الشعوب الأخرى. ورغم المخاطر المختلفة التي يمكن أن تنجم عن محاولة التوصيف والتحليل لشخصية شعب ما من الشعوب، فإن المرء لا يمكنه إهمال هذا النوع من الدراسات لما له أيضا من جوانب معرفية نقدية تفيد في الوقوف عند الملامح المختلفة للشخصية والتطورات التي تلحق بها عبر الزمن.
وإذا كانت الدول والحكومات والمؤسسات المختلفة ترصد وتحلل من فترة لأخرى ما لحق بتجاربها وخططها التنموية المختلفة إن بالسلب أو بالإيجاب من أجل تحديد المسار القادم والخطوات اللازمة له، فإن متابعة ملامح وسمات الشخصية القومية وما لحق بها من تغيرات،
ربما يفوق في أهميته تلك الجوانب المادية التنموية التي ترصد لها الدول والحكومات والمؤسسات الميزانيات الضخمة من أجل التحقق من جدواها. ولابد منذ البداية من تحديد مجموعة من الأسس المنهجية الأولية اللازمة لأية قراءة تنشد قدرا ما من الموضوعية عند تعاملها مع ملامح وسمات الشخصية القومية لشعب ما من الشعوب.
فأولا، ورغم إمكانية الوقوف عند ملامح شخصية شعب ما، بما يؤدي في النهاية إلى التمييز بينه وبين غيره من الشعوب الأخرى، مثل التمييز بين شخصية الشعب الفرنسي وشخصية الشعب الألماني، فإن هذه المحددات والتمايزات ليست مطلقة وثابتة عبر الجغرافيا والتاريخ، لكنها مرتبطة بتغيرات الجغرافيا من جانب وعواصف التاريخ من جانب آخر، وإلا كانت هذه الملامح والسمات قدرا موقوفا على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم،
وهذا تصور مناف لأبسط نواميس الحياة المتغيرة والمتجددة عبر الأزمان. صحيح أنه يمكن الحديث عن سمات عامة خاصة بشعب ما، لكن هذه السمات تتغير بتغير الوقت، حيث تلحقها عناصر التغيير المرتبطة بتأثيرات التاريخ والتحولات المجتمعية والسياسية، كما تلحقها عناصر التغيير أيضا الناجمة عن الاشتباك الكوني غير المسبوق من الثقافات الخاصة بغيرها من الشعوب والأمم الأخرى.
وثانيا، علينا أيضا أن نميز بين السمات العابرة الوافدة القابلة للتغيير السريع، وبين تلك السمات المتجذرة الأصيلة التي يتطلب تحولها تغييرات مجتمعية وتاريخية وحضارية كبرى في عمق الشعب صاحب هذ السمات القومية. فلكل شعب من الشعوب أو أمة من الأمم بعض السمات القابلة للتغيير بسهولة وفقا لمستجدات التاريخ والسياسة والاجتماع،
وهي أمور تتفق فيها كافة شعوب الأرض بدون تفرد أو امتياز. فتغير أنماط الطعام والزي من الأشياء القابلة للتغير بسهولة، بغض النظر عن وجود طعام قومي أو زي قومي متعارف عليه يلتزم به شعب من الشعوب. ولعل التغيير السريع المرتبط بهذه المجموعة من السمات يتأتى من كونها أقرب ما تكون للمعاش اليومي، وبما يتعلق بمصالح العباد وتسيير شؤون حياتهم ومصالحهم اليومية.
إضافة إلى ذلك، هناك مجموعة أخرى من السمات المتجذرة في عمق الشعوب وعبر بنائها النفسي والتاريخي، وهي سمات تحتاج إلى جهد كبير من أجل الإمساك بها والقبض عليها، بغية الفهم والتحليل. وهذه المجموعة من السمات أكثر ارتباطا بالتراث التاريخي والشعبي والديني للشعوب بحيث يمكن القول بأن التخلي عنها، حتى ولو كان ينتمي لأطر تاريخية ماضية، يصيب المجتمع بهزات قيمية بنيوية عميقة.
وثالثا، وارتباطا بما سبق، تأتي مسألة الصعوبات الخاصة بالتعميم عند القيام بتحليل سمات وملامح شعب من الشعوب، فلا يجب اسقاط العابر الوافد السريع التحول على شعب من الشعوب بوصفه الممثل له، وإهمال المتجذر الأصيل البطيء التغيير. إن هذه المنهجية الخاطئة تؤطر الشعوب والأمم ضمن السمات الأكثر بروزا التي يسهل الإمساك بها، والخاضعة للأهواء السياسية وللقيود الأيديولوجية وللتنميطات البحثية المسبقة.
فما أسهل الانقياد وراء المراكز البحثية الأميركية المعاصرة المتخمة بالميزانيات الضخمة من أجل تنميط الآخرين والنيل منهم. ألم يحدث ذلك فيما سبق بخصوص الأفارقة الأميركيين الذين تم وسمهم بأنهم كسالى، وأغبياء، وانفعاليون، وأكثر اقترافا للجرائم مقارنة بالجنس الأبيض الأرقى.
ألم يتم استبدال كلمة أسود بكلمة عربي أو مسلم الآن وإلصاق كل الصفات العنصرية التي تم تنميط الأفريقي الأميركي بها سابقا بالعربي المسلم. إن مخاطر التعميمات الخاصة بدراسات الشخصية القومية كبيرة جدا، وخصوصا من جانب هؤلاء الذين لا ينتمون إلى الأطر التاريخية والاجتماعية واللغوية لشعب ما، وينبرون لإطلاق التعميمات المفرطة البالغة الجهل والسذاجة والعنف.
ورابعا، وارتباطا أيضا بما سبق، فإن عدم التسرع في إطلاق التعميمات عن سمات شعب من الشعوب، وتحكيم العقل وهيمنة الهدوء العلمي الموضوعي المتجرد إلى حد ما من الأهواء والميول السياسية يمكن التوصل إليه من خلال البدء في إجراء عدد كبير من الدراسات الوصفية التي تبغي الوقوف عند رصد السمات الخاصة بشعب من الشعوب.
فالانغماس في هذا الجانب يمنح الباحث مادة ثرية وغنية عن الممارسات الحياتية اليومية لشعب من الشعوب عبر فترة زمنية طويلة، بما يسمح له من رؤية التعارضات المختلفة في هذه السلوكيات، الأمر الذي يؤدي إلى الحذر في إطلاق التعميمات. وفي ظل هذه البحوث الوصفية، إذا جاءت حسنة النية وليس على شاكلة كتابات الصهيوني باتاي، يمكن للقارئ أن يرى العديد من السلوكيات والممارسات المختلفة الخاصة بالشعب موضع الدراسة،
بما يمكنه أن يشكل توجهات شبه معتدلة ترى الإيجابي والسلبي في الوقت نفسه، وترى تعدد السلوكيات الحياتية اليومية مثلما يحدث في أي مجتمع إنساني آخر. بمعنى آخر، إن الاعتماد على هذه النوعية من الدراسات الوصفية يمنح القارئ القدرة على الاشتباك والحكم على السمات الخاصة بشعب من الشعوب، بدون أن يؤطر له الكاتب بشكل مسبق مسار تفكيره وتوجهاته.
ولعل هذا ماقام به ادوارد وليام لين في كتابه البديع «عادات المصريين المعاصرين وتقاليدهم»، حيث الوصف الواسع المدى للمجتمع المصري وسلوكيات المصريين في القرن التاسع عشر، بشكل جمع بين الإيجابي والسلبي من جملة مشاهداته واحتكاكاته اليومية بالمصريين.
تمثل هذه المحددات المنهجية نقاط انطلاق مسبقة لدراسات الشخصية القومية، وهى تؤدي دورا كبيرا في تجنيب الباحث مخاطر الوقوع في التعميمات الساذجة والتحيزات المفرطة والاتهامات العنيفة. ويبقى في النهاية السؤال، وماذا عن ملامح وسمات الشخصية العربية المعاصرة؟ وهل تفيد هذه المحددات المنهجية في التعامل مع رصد ملامحها وسماتها في هذا الجزء من العالم الذي أصبح ملطشة لكل من هب ودب من أمثال الصهيوني باتاي وممن هم على شاكلته؟!.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com