يبدو المشهد الفلسطيني الراهن رغم عبثية وقائع الاقتتال بين أنصار حركتي فتح وحماس، موجزاً وبليغاً في تجسيد جوهر الأزمة العربية ككل، والتي تمسك بخناق شعبنا العربي في كل الأمصار والأقطار، من الخليج الهادئ إلى المحيط الساكن.
جوهر أزمتنا وخيبتنا العربية هو تسليم قيادنا إلى الآخر الذي لا يُخفي عداءه، ولا يكلف نفسه أكثر من وسعها في تسويق مخططات براقة لنشر (ديمقراطية البوارج) ورفاهية العولمة المتوحشة، التي تجرف كل محاولات تعبيد طرق التنمية المستقلة والاعتماد على الذات، وتفرض علينا ثقافة المعونات «الوهمية» لتكريس حال التبعية، وخلق فئات وطبقات اجتماعية ونخب سياسية تدين بالولاء لمن يدفع، وهى محاولة لتجميل وجه العملاء الجدد، الذين يعملون تحت شعارات خادعة.
وفى قلب أزمتنا العربية، تنغرس سكين التشرذم والانشقاق، وتسود لغة الخلاص الفردي، سواء كان شخصا أو حزبا أو طائفة أو حركة، أو قطرا، وتضيع المصلحة العليا للوطن أو الأمة، قبل أن يكتشف المخدوعون زيف وخبال خيارهم الرديء، ويجدوا أنفسهم أول الخاسرين على مذبح ومائدة العدو الذي ظنوه « صديقا أو شريكا» أو راعيا لسلام لم ولن يتحقق وفقا لوصفته الشيطانية، التي تسرق منا جذوة النضال والمقاومة والكرامة، ولا تمنحنا سوى مرارة انتظار ما سيجود به علينا سارق ومغتصب الحقوق.
مشهد الاقتتال الفلسطيني جرعنا جميعا مرارة العار، من تردي خيرة أبناء وطننا العربي إلى هذا المستوى من الاستهزاء بقيمة الدم الفلسطيني، والتنكر للتضحيات عبر تاريخنا من نكبة ضياع فلسطين، وانتهاء بكارثة تلو ح في الأفق وتهدد بتشييع جنازة الأمة العربية، وبعدها عرس إقامة الشرق الأوسط الجديد والكبير.
وليس سرا أن «وصفة الاقتتال الفلسطيني» صيغت بمداد إسرائيلي أميركي، وبمشاركة البعض من القيادات الأمنية الفلسطينية التي أضيرت وهمشت كنتيجة للانتخابات وفوز حركة حماس بالأغلبية، وبالتالي تشكيلها الحكومة الجديدة.
ففي الثامن والتاسع من شهر فبراير الماضي عقدت جلسات مباحثات سرية في ولاية تكساس الأميركية، لبحث الإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن إضعاف حركة حماس، وبالتالي تقويض سلطتها؟ وكيف يمكن تجريد حماس من استحقاقات فوزها الانتخابي، وتأليب الشارع الفلسطيني على قيادة وكوادر حماس، وتصويرهم وكأنهم منبوذون شعبيا؟
هذه أسئلة مشروعة من جانب عدو يحتل أرضا ويغتصب حقوق شعب، ويسعى طيلة سنوات الصراع العربي الإسرائيلي إلى اجتثاث إرادة المقاومة من العرب عموما والفلسطينيين بوجه خاص، ولم يترك وسيلة لتحقيق غايته إلا ونفذها، ابتدأ بالمذابح والمجازر وإبادة سكان قرى وبلدات، وأكمل بطرد سكان باقي الوطن الفلسطيني، وتجريد من صمد وبقى من هويته الفلسطينية، وبذل الكثير لتدجين من يعتبرهم «جيدين» لبث اليأس في نفوس «السيئين» أو الذين لم يفقدوا إرادة المقاومة، وطبق سياسة التصفية الجسدية والاغتيالات في بيروت وتونس وغزة ورام الله ونابلس والقدس وعمان وعنتيبي،وغيرها.
لكن غير المشروع أن يشارك أي فلسطيني في الجلوس مع إسرائيلي وأميركي حول مائدة العشاء الأخير لحماس أو المقاومة، ومع ذلك جرى ما جرى،وعقدت المباحثات في تكساس برئاسة السفير الأميركي السابق في دمشق وتل أبيب ادوارد دجيرجيان، إلى جوار رئيس الموساد الإسرائيلي السابق أوري ساغوي،وبحضور جبريل الرجوب مستشار الأمن القومي في رئاسة السلطة الفلسطينية،حسب ما ذكرته صحيفة الصنداي تايمز البريطانية وأكدته صحف إسرائيل.
خلص لقاء العشاء الأخير إلى جملة توصيات ترسم خريطة طريق لإضعاف حماس وإذلالها، أولها إحكام الحصار الاقتصادي وقطع المساعدات التي تقدمها الدول المانحة، أو بأسلوب مباشر غير منمق «تجويع الشعب الفلسطيني» لدرجة تجعله يكفر باليوم الذي انتخب فيه حماس أو أيد المقاومة، وهي طريقة استعمارية مجربة وتعرف في أدبيات الاستعمار .
للحقيقة والإنصاف فإن الرجوب ، الذي خسر الانتخابات في الخليل أمام شقيقه نايف الرجوب عارض هذه التوصية وطالب بزيادة المساعدات طالما أنها لن تصب في أيدي حماس بل ستصل إلى رئيس السلطة محمود عباس، ولم يؤخذ باعتراضه ولم يشفع له حديثه عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والالتفاف على فوز حماس بإجراء انتخابات مبكرة، أن تحصل خلالها إلا على 15 % من الأصوات فهو حجمها الطبيعي في الشارع.
على أن اجتماع تكساس لم يكن الأول أو الخير في مجال البحث عن وسيلة للقضاء على جذوة المقاومة، فهناك توصيات إسرائيلية قدمتها المحافل الاستخباراتية والعسكرية، تتركز على ما يعرف ب« كي الوعي» أي عقاب الشعب الفلسطيني جماعيا وتجويعه لدرجة تضعه على حافة الانهيار والجنون، والكفر بكل ثوابته الوطنية،وتفرض عليه إبداء الندم على ممارسته حقه الديمقراطي وانتخاب حماس، التي لم تجلب له سوى الجوع وعدم سداد الرواتب لشهور بلغت الآن سبعة أشهر.
لا داعي للتذكير بكل محاولات كسر الحصار والبحث عن مصادر تمويل عربية وإسلامية، لان ذلك يفتح بابا إضافيا للخلاف المشتعل أصلا الآن وبسببه يسيل الدم الفلسطيني في غير موضعه،لان فريقا لم ير في المشهد سوى مصلحته الذاتية وأعماه السعي لاستعادة سلطة مفقودة عن رؤية الخطر الداهم الذي يحيق بكل الوطن، وبقي الفريق الآخر أسير لحظة الانتصار الانتخابي ولم يبحث عن بدائل، وعز عليه العودة إلى مربع المعارضة والمقاومة التي إن خسرها فقد خسر مبرر وجوده.
رغم مرارة وعبث الاقتتال الفلسطيني لن نفقد الأمل في عودة الوعي إلى المخدوعين من أبناء شعبنا العربي، فاللحظة حاسمة ومصيرية والمقاومة لم تعد اختيارا بل هي فرض وطريق وحيد.