وقع المحظور واقتتل الفلسطينيون بدموية مفرطة في غزة وباشتباكات أقل دموية في الضفة. وكان التهديد بالحرب الأهلية ورد على ألسنة كثيرين من قادة حماس آخرهم محمود الزهار في مطلع رمضان وكأن التلويح بالحرب الأهلية وإدخال هذا التعبير في القاموس السياسي اليومي كان مقصودا بحيث إذا حدث لم يفاجأ أحد به. حكومة حماس غير قادرة على الحكم..
وغير قادرة عن الإجابة على التساؤلات المشروعة للمواطن الفلسطيني من حيث توفير الرواتب وتوفير الأمن وإعادة تأهيل القضية الفلسطينية لتأخذ موقعها على الساحة الدولية.. هذه التساؤلات لا تجيب عنها حماس وترى المواطن الفلسطيني يذل يوميا ويتحول إلى متسول وعاطل عن العمل فاقد الثقة في نفسه وشعبه وقضيته.
فهل تمسك حكومة حماس بشعار لا اعتراف بإسرائيل هو الحل؟ وان كان فهل هذا الثمن الباهظ يستحق هذه التضحية؟ حماس عادة تقفز إلى الأمام من وجه الأزمات الداخلية فلا احد طالبها بالاعتراف بإسرائيل وإنما هي التي تعلن أنها لن تعترف بإسرائيل متخذة من ذلك درعا واقية لها إزاء المطالب الداخلية والدولية بالاعتراف بقرارات الشرعية الدولية..
لأن حركة فتح نفسها لم تعترف بإسرائيل ولم يطالبها احد بالاعتراف حتى تاريخه وميثاق فتح لم يتغير.. لكن حركة حماس تريد إظهار نفسها وكأنها تدفع ثمن عدم اعترافها بإسرائيل وليس بقرارات الشرعية الدولية. إزاء الفشل في إدارة الحكم وتوفير حلول للازمات سارعت حماس إلى اختلاق أزمة الجندي الأسير للتغطية على عجزها..
ولما استنفذت هذه القضية نفسها ثم التركيز على حكومة الوحدة الوطنية وثم الاتفاق على برنامجها السياسي أكثر من مرة ثم جرى نسف ذلك من قبل حماس التي تظل تؤكد ان مساعي إقامة الحكومة لم تتوقف رغم ان الرئيس ابو مازن نفسه هو من أعلن تجميدها وليس احد آخر. اذاً حركة حماس او حكومتها تمارس مماطلة وتضليلاً إعلامياً على الشعب وتدعي أنها تدفع سلفاً ورواتب للموظفين مع أنها لم تدفع سوى مرة واحدة وتكفل مكتب الرئاسة بدفع المرات الأخرى..
واختلفت الحكومة مع الرئاسة حول سلفة رمضان التي أعلن عنها وزراء الحكومة وتبين ان الرئيس هو الذي يتولى شأنها وليست الحكومة التي أرادت توزيعها وفق قوائم على مزاجها واستثنت الأسرى والشهداء ومنظمة التحرير والبلديات. وطالت الاتهامات ذمة الرئيس من قبل وزراء حماس حيث اتهموه بتكديس 300 مليون دولار في حسابات الرئاسة وهو ما أثار غضب الرئيس وجعله يلغي محادثاته مع إسماعيل هنية حول حكومة الوحدة الوطنية.
وفي خضم تبادل الاتهامات هذه حول المال وحول حكومة الوحدة الوطنية استمر إضراب الموظفين واستمر الشلل في الحياة التعليمية والوظيفية ولأن الإضراب لم يكسر فقد ضاقت حماس بالمضربين خاصة في غزة حيث تتمتع حماس بقوة منظمة وشن مسؤولون حكوميون حملات إعلامية ضد المضربين وجرى الاعتداء على الموظفين المعتصمين بحضور رئيس الوزراء وهذا الاحتقان صاحبه سجال إعلامي بين فتح وحماس.. وعندما خرج رجال الشرطة والأمن في مظاهرات مطالبين برواتبهم اعتبرتهم الحكومة خارجين عن القانون وهددت بمعاقبتهم.. وتصدى لهم رجال وزارة الداخلية او القوة التنفيذية المشكلة من ميلشيا حركة حماس.
فكيف يصبح رجل الأمن عرضة للاعتداء من رجل أمن آخر؟ فالقوة التنفيذية مثلا تتقاضى رواتب من الحكومة مباشرة فيما قوات الأمن لا تملك رواتب وهذا يعني وكأن الحكومة هي لخدمة حركة حماس وعناصرها. فالحكومة لا تكشف عن قنوات صرف الأموال والضرائب المباشرة وهي تقدر بحوالي عشرين مليون دولار شهريا وتدعي أنها تصرفها لتشغيل الوزارات لكن الوزارات لا تعمل وبالتالي فان هذه الأموال خارج نطاق المساءلة.
كما أن الحكومة تدفع من هذه الإيرادات رواتب للموظفين الجدد الذين عينتهم باعتبارهم من أنصار حركة حماس.. فكيف تصرف أموالاً لموظفين حديثي التعيين ويحرم القدماء من ذلك؟ هذا الوضع كله بترسباته وتراكماته أدى الى الانفجار في غزة وأول من ضغط على الزناد هم أنصار حماس وقواتها التنفيذية ضد رجال الأمن المضربين وهذا يعني وكأن الحرب الأهلية باتت مطلباً لدى تيار معين في حركة حماس يسمى التيار الانتقامي الذي عارض تشكيل حكومة الوحدة وعارض أية تفاهمات جدية مع فتح وغيرها..
ويقوده د. الزهار الذي ما زال يطارد كل من ساهم في اعتقاله وإذلاله في التسعينات عندما أمر ياسر عرفات باعتقاله وقام بعض الضباط بحلق شعر لحيته ورأسه. ولكن السؤال هل نذر الحرب الأهلية تبددت بعد يوم من الاقتتال الدامي؟ الجواب لا.. لأن الأسباب ما زالت موجودة والحلول تبدو بعيدة وما سيحدث هو حلول ترقيعية مؤقتة فثمة تيار في حماس لا يرى من فلسطين سوى غزة ويعتبر الهيمنة على فلسطين نهاية مطافه..
وثمة تيار في فتح يدعو للمواجهة الحاسمة مع حماس وهو تيار خسر في ابتعاده عن الحكم.. ولن يخسر أكثر في حالة اندلاع حرب أهلية لأنه لن يقاتل وإنما يلقي بغيره في أتونها. وبالتالي ما زالت بذور الفتنة قائمة لأن الحرب الأهلية هي الحل للمهزومين.. سواء في فتح او حماس. وهؤلاء سيلعنهم التاريخ. وبالتالي فلا مخرج في الأفق سوى ما يمكن للرئيس الفلسطيني محمود عباس ان يتخذه من قرارات حاسمة جريئة لإنهاء الازدواجية في الحكم الفلسطيني أي الدعوة الى انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية.. وهو الخيار الوحيد الذي يجري بحثه بجدية هذه المرة.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـــ فلسطين