المتابعون من أقصى العالم إلى أدناه، وعلى اختلاف حدة المواقف المساندة لقضية العرب والمسلمين أذهلتهم مشاهد القتل والقمع التي اجتاحت شوارع وأزقة قطاع غزة قبل أيام، فلا أحد سره ما رآه أو غض نظره عما جرى، كيف لا وأحد قطبي هذه الممارسات هم من يلصقون بأنفسهم نسب الإسلام ويحرمون رفع السلاح أو الإشارة به إلى صدور المسلمين وأبناء جلدتهم، فتلك كانت المفارقة حقاً حينما نحى هؤلاء عن أنفسهم صفة التسامح وأهملوا سلاح «إني صائم» في شهر رمضان الفضيل.

صور عابرة لمشهد دموي ارتضته وصنعته فئة لا تستحق عن جدارة مسماها، كانت كافية ليقول كل من شاهدها كلمة حق لا يقتل أو يسجن بسببها، فمنذ متى تخمد أزمات فلسطين الداخلية بنار السلاح، ومنذ متى أيضاً يمنع الفلسطينيون من التعبير عن مطالبهم أو يجردون السؤال عن حقهم في رواتب قليلة ضلت سبيلها منذ ما يزيد عن سبعة أشهر دونما النظر إلى عائلات كثيرة تنتظر وجبة إفطار أو تستجديها لتسد فيها رمقها بعد صيام يوم كامل أو ربما لشهور وسنين.

كل فلسطيني أو عربي يراقب المشهد لم يلتبس عليه الأمر عندما قرأ على شاشات التلفزة خبراً يقول ان وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام أمر القوة التنفيذية التابعة له والمعتاشة على أموال تجنيها الحكومة وتهربها إلى قطاع غزة، بالنزول إلى الشوارع ومنع أي احتجاجات لأجهزة الأمن الفلسطينية بالقوة، وبالتأكيد لن تكون النتيجة إلا دموية، خاصة وأن قناعات مشوهة تتسلح بها هذه القوة أمدتها بتبرير قتل أبناء جلدتها وترويع عائلاتهم ومفاجأة أطفالهم بالموت عوضاً عن وجبة طعام ينتظرونها منذ الصباح.

لا جديد فيما شهدته شوارع غزة مؤخراً سوى الإقبال على القتل والقمع مع سابق الإصرار والترصد، فكان الأولى بهؤلاء المسلحين الاحتفاظ بما لديهم من قوة ليوجهوها إلى صدور المعتدين الإسرائيليين الذين يهددون على الدوام بعملية اجتياح واسعة لقطاع غزة، ومن العار في الوقت ذاته أن يسمع من وزير الداخلية أن ثمن الرصاص الذي أطلق في تلك المواجهات يغطي رواتب أعداد كبيرة من المتظاهرين، فهل وصل به عمى الكلام إلى حد «اقتل القتيل وامش بجنازته»!.

لا أريد أن أبقى تقليدياً في الطرح كما يفضل بعض المراقبين، الذين يتأسفون لما يحدث ويعتبرونه خطأً لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني الباحث عن كيان يحتضنه منذ عشرات السنين، بل إني وكغيري ممن استفزهم المشهد ألوم بشدة الصامتين عن تجاوزات الحكومة وقمعها لأبناء جلدتها الذين تربوا على المطالبة بحقوقه أينما وجدت.

المتظاهرون الذين وقعت عليهم وعلى عائلاتهم ويلات النار والقمع هم أفراد من الأجهزة الأمنية الذين قصدوا هذه الوظيفة ليقفوا إلى جانب أبناء شعبهم وليطعموا أطفالهم.

قد يتساءل البعض كيف لعناصر أمن يعملون في جيش نظامي أن يحشروا أنفسهم في التظاهر والاحتجاج بسبب تأخر رواتبهم، ولكن على المتسائل أن يعلم أن المتظاهرين هم جزء من الشعب الفلسطيني الذي فرضت عليه ظروف الاحتلال عدم الانضباط والالتزام على مر العصور، وبالتالي فلا يؤاخذ المرء على انتمائه مهما كانت الأسباب، ولا يخفى على أحد أن عناصر الأمن المتظاهرين مطالبين برواتب لم تصلهم منذ شهور جزء من شعب ولا يمكن أن ينسلخوا عن بيئته وثقافته، وبالتالي ليس من العدل تحميلهم ما لا يستطيعون.

مفارقة أخرى جدير ذكرها في هذا الموقف، هي أن أبناء منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» حينما كانوا في السلطة لم يصلوا في أحلك الظروف إلى التعامل بالنار مع معارضيهم، فأكثر ما ناله المعارضون من أبناء «حماس» في الفترات السابقة هي التوقيف والسجن والتعذيب أحياناً، أما القتل الذي استخدمته حكومة (حماس) لأبناء شعبها فكان محرماً في السابق قولاً وفعلاً.

صديق لي يقيم في الأراضي المحتلة، وهو أحد الذين انتخبوا كتلة الإصلاح والتغيير «حماس» منذ سبعة أشهر التي لم تستطع إلى الآن إصلاح شيء أو تغييره، قال لي قبل وقوع الأحداث الدموية الأخيرة في غزة، إن الشعب على اختلاف انتماءاته يعيش في أحلك أيامه، فلا بصيص أمل يستنير به لإتمام صبره أو حتى لبرنامج سياسي جلي يمكن أن يتحقق ولو بعد حين.

وبالتالي فقدت هذه الحركة وكما يقول مؤيدوها الأوائل ثقة الكثيرين، بعد أن جلس قادتها على الشجرة ولم ينزلوا عنها، فهل الحل أمام الحكومة أن تضرب بيد حديدية من يعبر عن رأيه أو يطالب بحقه، أم تبحث عن مخرج يلبي المطالب العامة ويريح مؤيديها ومعارضيها على حد سواء.