ما هي العقيدة القتالية لقوات الأمن الفلسطينية؟ في ظل احتلال أجنبي استيطاني فإن المنطق الطبيعي يقول لنا إن العقيدة القتالية في هذه الحالة ينبغي أن تكون مرتكزة إلى مبدأ تحرير الأرض وبالتالي فإن سلاح القوات الأمنية ـ ومعها ميليشيات الفصائل المدنية ـ يجب أن يكون موجهاً ضد جنود وقوات الاحتلال.
ولذا فإن مشهد عناصر القوات الأمنية الفلسطينية وهي تحمل الرشاشات لترويع المدنيين الفلسطينيين مع إغلاق شوارع وإحراق مقار تابعة لحكومة فلسطينية منتخبة واستهداف وزرائها مع وجود القوات الاحتلالية تتفرج على المشهد وهي مفعمة بالاطمئنان أمر يبدو عجيباً إذا استخدمنا لغة مخففة.
هذا بدوره يقود إلى تساؤل آخر: إذا كانت القوات الأمنية الفلسطينية تابعة للسلطة الفلسطينية باعتبار أن رئيس السلطة هو القائد الأعلى لهذه القوات فكيف نفهم تجاهل هذه القوات لنداء صادر عن الرئيس أبو مازن يأمرها فيه بالتوقف عن أعمال الشغب والعودة إلى الهدوء؟
أحد أمرين: إما أن الشخصيات القيادية الميدانية لهذه القوات لا تعترف بسلطة الرئيس وصلاحياته.. وإما أن هناك تفاهما بين الرئيس وهذه الشخصيات القيادية، لقد أصدر الرئيس أمره علنا عبر الوسائل الإعلامية فهل صدرت عنه أيضا تعليمات مناقضة للأمر عبر وسائل سرية؟
ومما يعزز هذا التساؤل أنه بينما وقعت الاشتباكات الدموية الخطيرة بين قوات الأمن التابعة للسلطة و«القوة التنفيذية» التابعة لحكومة «حماس» ـ وهي الاشتباكات الأخطر والأولى من نوعها في التاريخ السياسي الفلسطيني خلال عهد أوسلو ـ لم يشأ الرئيس أبو مازن أن يقطع رحلته الخارجية ليتولى حسم الأمور بنفسه. فقد اكتفى بمخاطبة الشعب من التلفزيون الأردني.
الشيء بالشيء يذكر فالأجهزة الأمنية الفلسطينية هي إحدى مخرجات أوسلو، ونستذكر انه بعد أن تم تجنيد وتدريب عناصرها وقياداتها في الخارج فإن عمليات تجويد أدائها وتربية عقيدتها القتالية كانت ولا تزال على أيدي خبراء من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهي بطبيعة الحال عقيدة تجعل من هذه القوات قوات ضاربة لأغراض القمع الداخلي ضد أي جماعات أو أفراد يمارسون أنشطة معادية لاتفاق أوسلو أي أولئك الذين يناهضون الاحتلال الإسرائيلي.
هكذا ووفقاً لطبيعتها التكوينية وعقيدتها القتالية تعتبر قوات الأمن الفلسطينية وقيادتها السياسية أنها ليست معنية إطلاقا بما يجري على نحو يومي أو شبه يومي من توغلات وهجمات إسرائيلية تتخذ أشكالا مختلفة من اعتقالات وقتل جماعي واغتيالات فردية وتدمير منازل وتجريف مزارع.
لقد أظهرت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية خلال الأحداث الدموية الأخيرة قدرا عظيما من الجسارة الميدانية في شوارع غزة من أجل قضية الرواتب، لكننا نقول: كم نتمنى لو استخدمت هذه الجسارة لا ضد مواطنين فلسطينيين وإنما ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي. من فرط شدة «النضال» من أجل الراتب كادوا ينسوننا قضية تحرير الأرض.