الساحة الفلسطينية تبدو مندفعة، من دون كوابح، نحو نفق مظلم، لم يسبق لها أن دخلته من قبل. المناعة التي كانت تحسب وباعتزاز، أنها تملكها، لتحميها من مثل هذا المصير، يبدو أنها تتآكل وبسرعة، مكانها تحلّ لغة غير معهودة، في العلاقات والحياة السياسية الفلسطينية، وتهدد ليس فقط ما راكمته هذه التجربة من إنجازات ديمقراطية، بل أيضاً قضيتها الوطنية، في الصميم.
وفي ضوء هذا الخطر صار المطلوب، فلسطينياً وعربياً، صحوة مستعجلة وحاسمة لوقف انزلاق الوضع بين «فتح» و«حماس» قبل وصوله إلى نقطة اللا عودة وترك الأمور تحت رحمة الاحتكام إلى القوة والسلاح، ومن دون إمكانية للتراجع عن مثل هذا الخيار القاتل للجميع.
التدهور في العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية، ليس بضاعة جديدة، الصراع والتوتر وأحيانا وقوع احتكاكات ومواجهات مسلحة بين أطرافها، كلها معروفة وتكرر حصولها في السابق، والمعروف أيضاً أنه في كل مرة كان التعكير والتأزيم يجري تطويقه ومحاصرته فوراً، لتعود بعده الأمور إلى مجاريها، لكن لم يسبق أن بلغ التدهور الدرجة التي وصلها اليوم، بين «فتح» و«حماس» لا بمفرداته وخطابه، ولا أيضاً بعلنيته وحدّته، كذلك لم يسبق أن غاب الاستدراك، لوقف التردّي كما هو غائب في هذه الأزمة.
القيادات لا تلتقي، كما جرت العادة في الماضي والمساعي تبدو كأنها تواجه الانسداد، حالة من القطيعة تسود علاقة الفصيلين، ثم دخلت على الخط لغة التهديد باغتيال وتصفية قيادات بأسمائها، نغمة جديدة، أدت إلى إعلان حالة النفير والاستنفار المتبادلين، كتائب شهداء الأقصى ـ فتح ـ تطلق التهديد بقتل قادة حماس، وتتوعد أيضاً «بالرد المزلزل القادم»، وبإنزال «القصاص العاجل بالقتلة»، حركة حماس ردت بالتحذير من حرق الأخضر واليابس ومن القيام بأية «حماقة» قد يرتكبها «قادة الانقلاب وتياره الذي يسعى إلى الفتنة وتسميم الأجواء الداخلية».
هذا التراشق العنيف، غير المألوف، سبقته أحداث الأحد الدامية وما رافقها من إضرام للنار في بعض المؤسسات العامة، كما رافقته استفزازات وتحديات، تشير إلى أن الأمور تسير باتجاه الخروج عن السيطرة، وما يعزز المخاوف أنه حتى اللحظة ليس هناك تحرك أو مبادرة بحجم هذا التدهور، الذي ينذر بعواقب مدمرة، فقط، تردد أن هناك مبادرة من ست نقاط وضعتها أطراف عربية لحلّ الأزمة، لكن ذلك لم يتأكد، جهات فلسطينية نفت وجود أي شيء على الطاولة.
ويجري كل ذلك على مرأى من الوزيرة رايس، الموجودة في المنطقة، كما يجري في اللحظة التي تحشد فيها اسرائيل لعدوان واسع على غزة، وفيما تتوالى التطمينات، من كل الأطراف، بأن الأمور لن تسقط في أتون الاقتتال الأهلي، إلا أن ما يجري على الأرض يأخذ الاتجاه المتناقض أو على الأقل الاتجاه المفتوح على كل الاحتمالات، وفي الوقت ذاته تتفاقم تداعيات حالة الضيق الخانق التي يتلوى بنارها الشعب الفلسطيني، الذي يدفع ضريبة الحصار وضريبة الصراع الداخلي، كل هذا وإسرائيل تمعن في عملية قضم الأرض الفلسطينية عبر التوسع الاستيطاني، خاصة في غوش أمونيم قرب القدس.
حرب التأزيم والتهديد، أخذت مداها وأكثر، مواصلتها، وصفة الانتقال بها من البيانات إلى أرض الواقع، عامل الزمن يضغط، لكن الفسحة للرجوع عن حافة الهاوية لا تزال متوفرة، من خلال الرجوع إلى الخطاب السوي والالتزام بموجبات الوحدة الوطنية.