ما يحدث في فلسطين حاليا يدمي القلب وكل هذا الاقتتال الداخلي والاحتكام للغة السلاح والعنف بدلا من لغة الحوار بين ابناء الشعب الواحد ، هو خطأ كبير يتحمل مسؤوليته الطرفان الرئيسيان ، حيث فشلت وللأسف حركة حماس وفتح في السيطرة على العناصر التابعة لهما إلى درجة إصدار بيانات تهديد بالاغتيال ، ولكن بالمقابل لا بد من إعادة التأكيد على أن سببا كبيرا من هذه المأساة يتحمل مسؤوليته المجتمع الدولي الذي خذل الشعب الفلسطيني مرارا وتكرارا ، ووصل به الأمر إلى تنفيذ مقاطعة اقتصادية شاملة يدفع ثمنها المواطنون الفلسطينيون من قوتهم وخبز أطفالهم.
هناك أخطاء أخلاقية كبيرة وقع فيها المجتمع الدولي وبقيادة غير كفؤة ومنحازة من الولايات المتحدة. أول هذه الأخطاء أنه أعرب عن رفضه لنتائج الانتخابات الفلسطينية بالرغم من نزاهتها ومصداقيتها ، وبالتالي طعن مبادئ الديمقراطية التي ينادي بها من الخلف وضرب بها عرض الحائط ، والخطأ الثاني أنه أراد ممارسة ضغط سياسي على حكومة حماس للاعتراف الفوري بإسرائيل بدون اي مقابل سياسي من الجهة الأخرى ، بل حتى أن المجتمع الدولي سواء الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ، لم يقم بأي انتقاد لجرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وحصارها لغزة والقتل اليومي للفلسطينيين ، وبدا وكأنه لا يطالب إلا الفلسطينيين بالتنازل وبدون مقابل.
أما الخطا الأخلاقي الأكبر والذي لم يحدث حتى الآن في تاريخ الحضارة الحديثة في القرن العشرين وما بعدها ، فهو ربط الضغط السياسي على حركة حماس بعقاب اقتصادي دولي للشعب الفلسطيني ، يتمثل في منع المساعدات الدولية ومحاصرة الأموال والمساعدات العربية ، وكأن المجتمع الدولي الذي يدعي الأخلاقيات يريد معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياراته السياسية.
لقد اصبح المواطن الفلسطيني الواقع بين براثن الاحتلال والفقر والبطالة ، العنصر الذي يدفع ثمن المناكفات السياسية المحلية والإقليمية والدولية ، وبالتالي لم يكن هذا الانفجار الشعبي غريبا وأن كانت ردود الفعل الداخلية التي تميزت بعنف كبير مستهجنة.
الموقف الدولي المنحاز لإسرائيل والمفتقد تماما لأية رؤية تنموية وسياسية متكاملة لمستقبل الشعب الفلسطيني ومصالحه ، لم يساعد على تبلور جهد جماعي مؤثر لدعم الشعب الفسلطيني ومساعدته على الخروج من هذه المحنة بدون كل هذه الخسائر الاقتصادية والسياسية الكبيرة ،
وبالرغم من الجهد الكبير لجلالة الملك وللأردن في محاولة التوفيق بين الأطراف الفلسطينية وحث المجتمع الدولي على التحرك سريعا ، فإن الخمول الذي يسيطر على العمل السياسي الدولي بات مثيرا للإحباط ، كما عبر عن ذلك جلالة الملك في عدة تصريحات ومقابلات حول الأهمية القصوى لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل ، قبل أن يقع الشرق الأوسط في مستنقع جديد من العنف الأكثر صعوبة وتأثيرا على حياة الجميع ، ما لم يتم تحقيق حل عادل للسبب الرئيسي لمشاكل المنطقة وهو الاحتلال الإسرائيلي ومعاناة الشعب الفلسطيني.