بدون مواربة، أو هروب من الواقع، إذا أرادت أمريكا أن تحل مشاكلها مع المنطقة، وكل العالم الإسلامي، فعليها أن تفك خرزة السبحة الإسرائيلية، وتبدأ عملاً جدياً، خارج حالات تجميل المواقف أو تبريد حرارتها، أو نسج خيالات ووعود بدأت مع (يارنغ) ولم تنته مع (كونداليزا رايس)..
كل الحروب والعداوات ونشوء حركات التطرف والإرهاب، ارتبطت عضوياً بالقضية الفلسطينية، ولا مهرب من هذه الحقيقة، إلا تحقيق مبدأ غير قابل للاستنساخ في عقدة السلام التي عجز الرؤساء، ومن تحثهم مراكزهم للرصد والتحليل، والوساطات أن تصل إلى نقطة التلاقي مع القضية وإنهاء إشكالاتها من قبل الفاعل الأمريكي، والأقوى تأثيراً على كل الأطراف..
رايس في المنطقة، وإذا كانت تريد تكرار ما فعله أسلافها، وبطرق ومشاريع معادة، فهي ستأتي وتذهب بنفس القناعات، لأن السياسي العربي، في أعلى السلطة، أو أدناها، ومعه الشارع بتنوع أفكاره، يلتقون جميعاً أن أمريكا ليست جادة في وضع خطوط للسلام صادقة، وموجهة للاحتفاظ بالمصالح، بدلا من تبديدها، وإضاعتها، رغبة في استرضاء إسرائيل، وعدم معارضتها..
العرب قدموا تنازلات كبيرة وموضوعية، والفلسطينيون الذين هم مركز الحركة والقرار، أيضاً أعطوا كل ما لديهم، ويبقى الجهد الأمريكي شبه المقطوع لمجرد التماس مع القيادات الإسرائيلية، والتي بدورها لم تخرج يوماً بحالة خسارة لأي موقف تريده، وهذا التميز الفاضح كشف أن الوجه الأمريكي متغير، وأن التمثيليات التي تم إخراجها، وإعادة عرضها لم تعد تؤكد الثقة بأي مشروع ما لم توجد له نتائج ملموسة على مسرح الواقع..
فالعراق، وأفغانستان، ودارفور السودان، وكل التعقيدات السياسية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، تبدأ وتنتهي في الأراضي الفسطينية المتنازع عليها مع إسرائيل، وحتى نصل إلى خيط يربط عقد السلام، فأمريكا بحضورها المكثف وحدها القادرة على إدارة هذه المهمة مثلما أدارت الحروب واتخاذ حق (الفيتو) وأعطت اسرائيل الأسلحة التي لم يحصل عليها اي حليف أوروبي أو آسيوي آخر، والتي كانت السبب في تدمير المدن والقرى، والدخول في سباق تسلح بالشراء، والإنتاج، والرغبة في الحصول على وسائل تقف على مستوى الندية، أو نصفها التي حصلت عليها إسرائيل من تقنيات عسكرية أو معونات مدفوعة الثمن مقدماً.
الفرصة لرايس قائمة حيث دول مجلس التعاون الرقم المادي الأكبر في المنطقة والثقل السياسي، والمعنوي مع مصر والأردن هم من لديهم الواقعية في الرؤية والجدية في العمل، لكن مجرد محاولة الضغط عليهم بالاعتراف بمطالب إسرائيل، وفتح حدود التجارة والجغرافيا ومد شرايينها بالإمكانات العربية الكبيرة، دون الحصول على مقابل سياسي وأمني مقيد باتفاقات واضحة يحترمها كل الأطراف، فإن ورقة هذه الدول ستحترق، أي أنه ليس لديهم ما يقولونه أو يقدمونه لأصحاب القضية، أو المواطن العربي الذي هو رحم إنجاب المشكلة، وعماد حمايتها، ورايس تدرك ذلك، وقد تريد فعل شيء ما لكنها مقيدة بما هو فوق الرؤى وهذا الأمر يحتاج لجدية الفريق الأمريكي كله، إن أراد نهايات سعيدة للسلام..