كيف تتواصل أعمال القتل الجماعي والاغتصاب في دارفور على ثلاث سنوات ونصف السنة ـ وعلى نحو يومي ـ بينما يبقى عدد القتلى والنازحين واللاجئين ثابتاً طوال هذه المدة، 200 ألف قتيل و5,2 مليون نازح ولاجئ، هذان هما الرقمان الثابتان اللذان يترددان يومياً في الوسائل الإعلامية العالمية في تناغم تام بين مسؤولي الأمم المتحدة ومسؤولي الإدارة الأميركية.
يقول الموظفون الدوليون وموظفو إدارة بوش يوماً بعد يوم إنه منذ توقيع اتفاق أبوجا للسلام بين الحكومة السودانية والفصيل الدارفوري الأكبر قبل نحو خمسة أشهر تضاعفت معدلات القتل بين المدنيين في دارفور وبالتالي تضاعفت أعداد النازحين واللاجئين، لكن مع ذلك لم يطرأ تغيير على الرقمين المذكورين.
وبينما لا يورد موظفو الأمم المتحدة أو الموظفون الأميركيون تفاصيل بشأن عدد المئتي ألف قتيل فإنهم بالمثل لا يقولون لنا كم من هؤلاء القتلى لقوا مصرعهم على أيدي قوات حركات التمرد المسلحة، لكنهم يحرصون على تقديم الرقم الكلي ضمن سياق لفظي يأتي عند ذكر الرقم أو بعده يوحي وكأن الجيش الحكومي هو الطرف الأوحد الذي يمارس القتل، بما يوحي أيضاً وكأن قادة الحركات المسلحة وكوادرها الميدانية هم من ملائكة الرحمن.
العالم يشاهد الآن أضخم حملة إعلامية تضليلية في التاريخ المعاصر لأنها حملة تقوم إدارتها على تواطؤ بين المنظمة الدولية الأعلى والقوة العظمى الأولى. هنا يتبلور التقاء مصالح بين جهاز الأمانة العامة للأمم المتحدة والإدارة الأميركية. كلاهما يهدف إلى إطالة أمد الأزمة الدارفورية بدوافع ذاتية لا علاقة لأهل دارفور أو السودان بها.
هدف الولايات المتحدة هو إضعاف الحكم المركزي في الخرطوم توطئة لدفعه على طريق يفضي عند نهايته إلى الاعتراف بإسرائيل على المدى البعيد ومع استمرار الأزمة يستطيع موظفو الأمانة العامة للأمم المتحدة مضاعفة امتيازاتهم الوظيفية نقدياً وعينياً. علماً بأن الممول الأكبر لميزانية الأمانة العامة للمنظمة هو الولايات المتحدة.
هكذا تمضي لعبة التضليل الإعلامي بشأن دارفور على أساس صدور تقارير ميدانية ملفقة من إعداد كوادر الأمم المتحدة في دارفور تجيزها الأمانة العامة في نيويورك لتتبناها بعد ذلك الإدارة الأميركية وكأنها حقائق.
ولنأخذ مثالاً للتلفيق، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي في جنيف ألقى المتحدث باسم لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بياناً عن دارفور تضمن العناصر الرئيسية التالية:
ان الجيش الحكومي «ألقى قنابل على قرى في شمال دارفور»، ونتساءل: متى حدث ذلك؟ وكم قرية قصفت؟ وما هي أسماء القرى؟
إنه قتل وجرح مدنيون، كم عدد القتلى والجرحى؟ وما أو من هو مصدر هذه «المعلومة»؟
إن هناك «أناساً» تحدثوا عن «طائرة بيضاء» تلقي قنابل، من هم هؤلاء «الناس» وما صفتهم؟ وأين «تحدثوا» ومتى «تحدثوا»؟
ان «كل المؤشرات» تقول إن هذا النوع من الهجمات يتواصل، أي مؤشرات؟
وهكذا وعلى هذا المنوال تنشر تقارير مليئة بالثقوب يوماً بعد يوم تحوي اتهامات بلا أدلة وأحكاماً بلا حيثيات تبني عليها الإدارة الأميركية عناصر عدوان دبلوماسي على الحكومة السودانية ويبني عليها موظفو الأمم المتحدة حسابات أرصدة مصرفية.