منذ أن أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت أواخر يناير الماضي فوز حركة «حماس» بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني على حساب حركة «فتح»، وما ثار حولها من ردود فعل متشنجة، محليا وعربيا ودوليا، كانت المؤشرات كلها تصب في اتجاه التصعيد السياسي والإعلامي بين مختلف الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، خاصة بين الحركتين الرئيسيتين في الساحة حاليا: «فتح» و«حماس».
لكن ما حملته صبيحة الأول من أكتوبر الحالي تجاوز كل الحدود وأسوأ التوقعات والسيناريوهات التي يمكن أن تحدث بين الأشقاء، أبناء الوطن الواحد والمأساة المتجذرة والمتجددة.
إن الانحراف إلى هوة الاقتتال وسفك الدم الفلسطيني بأيد فلسطينية ومحاولة حل الخلافات السياسية باستخدام السلاح وعقلية الإقصاء، منكر مرفوض ولا يمكن تبريره بأي منطق أو مسوغ عقلاني، مهما كان حجم الاستفزازات والضغوط الداخلية والخارجية على أي من أطراف هذا الانحراف الخطير.
لقد كان مؤلما أن تبدو أطراف فلسطينية وكأنها في منافسة مع ما يقوم به العدو الصهيوني من إيغال في الدماء الفلسطينية، وحصار خانق للبشر والحجر، وعدوان دائم على كل الحقوق والمقدرات.
ومع أن الأمور عادت إلى دائرة الوعي، بعد تدخل الرئيس محمود عباس ونداء رئيس الوزراء إسماعيل هنية، إلا أن هذا التدخل كان يفترض أن يتم قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من احتقان ومماحكات واستفزازات واضحة ومتعمدة من قبل بعض الأطراف، خاصة من عناصر السلطة وبعض كوادر «فتح»، بل وبعض أركانها أيضا!
لكن عدم تمكن حكومة «حماس» من التكيف مع متطلبات السلطة وضرورات الحكم، أضاف المزيد من الأعباء إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئ أصلا، وهيأ المناخ أكثر لتصعيد التوتر والاحتقان الشعبي من ناحية، ولمن يريدون الاصطياد في المياء العكر أو لا يعرفون غير هذا النوع من الاصطياد ليمارسوا هوايتهم المنحرفة التي أصبحت مهنة لبعضهم على ما يبدو!
لقد كان واضحا ومعلنا أن الحصار الدولي والعربي، للأسف، الذي فرض على حكومة حماس وسلطتها هدفه إسقاط هذه الحكومة مباشرة، أو من خلال منعها من تحقيق أي نجاح عملي على صعيد الحياة اليومية والمعيشية للمواطنين الفلسطينيين.
لكن حين بدأت المظاهرات والإضرابات احتجاجا على تأخر رواتب الموظفين نتيجة لهذا الحصار غير الأخلاقي وغير الإنساني، لم تستطع الحكومة «الحماسية» استيعاب الوضع بحيث تجعله جزءا من المعارضة الشعبية للحصار الذي يستهدف «حماس» وحكومتها، وبدلا من ذلك تعاملت الحكومة مع المحتجين والمضربين من موقع سلطوي مناوئ، وكأن منطق السلطة لا يتغير مهما كان من في السلطة!
وبغض النظر عن الأسباب والمتسببين الحقيقيين، فان ما حصل يوم «الأحد الدامي» في مختلف مناطق السلطة، ضفة وقطاعا، عيب وعار كبير على الجميع ويجب العمل على عدم تكراره بأي شكل من الأشكال.
من العار أن ينشغل المقاومون ويشغلوا معهم الشعب الفلسطيني كله باقتتال داخلي عبثي، بدلا من مواجهة الاحتلال الذي يغرس أنيابه ومخالبه في الجسد الفلسطيني أكثر فأكثر ويوما بعد يوم. ومن العار المعيب والمشين على العرب جميعا، والدول خاصة، أن تسمح باستمرار الحصار والقتل والقهر لشعب عربي جريح، دون أن يقدموا له الحد الأدنى من واجب التضامن القومي أو حتى الإخاء الإنساني، هذا إن لم يكن بينهم من ساعد وساهم في تعزيز الحصار وتعميقه!
أما «المجتمع الدولي»، تلك الأحجية التي لم تعد لها دلالات محددة، فإن من يعول عليه ما هو إلا كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو من أولمرت بنتانياهو أو العكس.
فهذا «المجتمع» المشغول بالتدخل بين الحكومة السودانية ـ مثلاـ ومواطنيها في دارفور، أيا كانت الذرائع والمبررات، ويهدد بفرض هذا التدخل بالقوة والقسر، لا يجد ما يدعوه لمجرد التساؤل ولو من باب الفضول، عن واقع شعب اغتصبت أرضه وشرد أكثر من نصفه وما زال يتعرض للقتل والتدمير على مدى ستة عقود متصلة من الزمن!
لكن المسؤولية الأولى في استمرار تدهور الأوضاع العربية عموما والفلسطينية خاصة، أو السعي للخروج من هذه الدائرة المأزومة المفرغة، تقع على العرب أنفسهم قيادات ومسؤولين وقوى سياسية ومجتمعية.
وعلى الجميع أن يعتبر ويعترف أن الاستقواء بالآخر الخارجي أو الاعتماد عليه، لن يحقق من النتائج إلا ما حصده السابقون من أمثال شاه إيران أو نورييغا وغيرهما ممن ساروا في ذلك الطريق وعولوا على الارتماء فيه. كما أن البناء السياسي والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحققا بالسير «على البركة» فقط، واعتماد أسلوب «الصح والخطأ» دون غيره.. ولا بد من توازن بين الخيارات والقدرات.