لا يعد تعذيب الأسرى أمراً غير قانوني فحسب بموجب القانون الأميركي والدولي، وإنما يعد ـ ببساطة ـ غير أخلاقي وغير عادل. كما أنه غير أميركي أيضاً.
مذهلٌ أننا ما زلنا عالقين في نقاش حول إصرار الرئيس الأميركي جورج بوش بأننا ننتهك قوانيننا ومعاهدات جنيف لكي يقوم عملاؤنا بكل شيء باستثناء ارتكاب جريمة القتل لإجبار الأسير على الاعتراف.
إن مشروع القانون الذي تقدم به بوش ـ الذي تم إحباطه في مجلس الشيوخ من جانب ثلاثة جمهوريين يعرفون الحرب والقانون ويعرفون ما هو صواب ـ سيسمح للعاملين في وكالة الاستخبارات المركزية بإخضاع الأسرى للتعذيب بالماء والإغراق حتى يشارف الموت، وإرغامه على الوقوف لمدة 40 ساعة في المرة الواحدة، وحرمانه من النوم، وزجه عارياً في زنزانة باردة تصل إلى درجة التجمد طوال أيام.
كان التعذيب بالحرمان من النوم هو المفضل لدى جهاز المخابرات السوفييتي السابق (كي جي بي). كانوا يعلمون أنه بعد ثلاثة أو أربعة أيام ستبدأ الضحية بالهذيان والارتعاش والارتجاف، وستضعف إلى درجة تجعلها تعترف بأي شيء كي تحظى ولو بنصف ساعة من النوم.
رأيت التعذيب بالماء منذ وقت طويل في فيتنام. فقد تم تسليم شاب شبه عار، يشتبه أن يكون من مقاتلي الفييتكونغ المحليين، من قبل آسريه الأميركيين إلى القوات الفيتنامية الجنوبية، عمد أربعة منهم إلى طرحه أرضاَ. ولفت خرقة بالية قذرة حول وجهه بحيث تغطي أنفه وفمه.
وحمل جندي خامس تنكة تحوي 5 غالونات من الماء، وسكبها ببطء على الخرقة، حل الماء محل الهواء بالنسبة لذلك الأسير. فانتفخ صدره بقوة وهو يحاول استنشاق الهواء ولا يتلقى سوى الماء. انصرفتُ قبل أن أرى ما إذا كان الشاب قد اعترف أو غرق. وهز قائد عسكري كتفيه لا مبالياً، فقد كان ذلك شأنا فيتناميا.
كانت هناك أساليب تعذيب ميدانية مستعجلة أخرى في فيتنام، بما في ذلك مولد الهاتف سيء السمعة، حيث يتم تثبيت الأسلاك في المناطق الحساسة من جسم الأسير ويتم تدوير المقبض على سرعات فولطية متزايدة، فيما تصرخ الضحية ألماً.
كانت تلك الممارسات البغيضة موجودة في فيتنام، ولكن لم يقم على تنفيذها أميركيون. وكان هناك خط فاصل لم يتم اجتيازه قط. وكان ذلك خطاً بين البربرية والحضارة. كان خطاً بيننا وبينهم.
منذ بداية الحرب على الإرهاب هذه، أصر رئيسنا ومستشاره ـ وهو المدعي العام الآن ـ أن هؤلاء الذين قبضنا عليهم في أفغانستان وفي أماكن أخرى لم يكونوا أسرى حرب بموجب اتفاقيات جنيف، ولم يكن من حقهم الحصول على الامتيازات الحمائية الهزيلة التي نصت عليها المعاهدة الدولية، لم يكونوا مؤهلين لأي حماية قانونية في نظامنا القضائي، ويمكن إخضاعهم لأساليب التعذيب التي ذكرناها آنفاً.
أتى رد الفعل بطيئاً. فلم يحدث إلا في العام الماضي أن تغلب أعضاء مجلس الشيوخ جون وارنر، وجون مكين وليندسي غراهام على اعتراضات البيت الأبيض وأجازوا قانوناً يحظر استخدام أساليب استجواب قاسية وغير إنسانية.
ومن ثم رفضت المحكمة العليا خطة الرئيس لمحاكمة الأسرى أمام محاكم عسكرية ميدانية وفرض أحكام بما في ذلك الإعدام من دون الاستفادة من حق الاطلاع على الأدلة التي تدينهم، ومن دون الاستفادة من حق الاستئناف، ومن دون أي شكل من أشكال الحماية القانونية الممنوحة للمواطنين الأميركيين.
إن حقيقة كون وكالة الاستخبارات الأميركية تمتلك سجوناً سرية في دول حول العالم حيث يتم على نحو مفترض ممارسة أساليب تعذيب أكثر وحشية ـ حيث يتم احتجاز الأسرى بصفة غير رسمية من دون حقوق، من دون أسماء، من دون أمل - هذه الحقيقة باتت معروفة، ومن ثم بدأ الذعر.
إذا كانت كل هذه الأساليب غير القانونية، وكل هذا السلوك غير الأخلاقي واللا أميركي، لم يتم تصحيحها وجعلها بطريقة ما قانونية في بعض التشريعات التي توضع على عجالة، فإنه لن يكون العملاء الذين سكبوا الماء وضربوا السجناء هم فقط الذين قد يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وإنما قد ينضم إليهم أيضاً من ينتهكون القوانين والاتفاقيات.
وهكذا فإننا أمام مشهد رئيسي يعلن أنه إذا لم يقم الكونغرس بإقرار القانون الذي أراده، بما يسمح بتعذيب السجناء، فإننا قد نكف عن استجواب الأسرى في الحرب على الإرهاب.
عندما قام أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الثلاثة بصياغة مشروع القانون الخاص بهم حول هذا الموضوع، تعهدت قيادتهم في الحزب الجمهوري باعتراض طرح مشروع القانون وتعطيله خلال أيام العمل التسعة الأخيرة لكونغرس متكاسل متلهف على التأجيل لكي يتمكن أعضاؤه من تفسير سلوكهم أمام ناخبيهم.
يقول البيت الأبيض المتحرر الآن من موقف الرئيس الذاتي، إنه يرغب في التفاوض بشأن حل وسط، وما هو الحل الوسط في التعذيب؟ لا يسمح بالتعذيب بالماء أو قلع الأظافر، وإنما الحرمان من النوم والتجميد والضرب الخفيف حول الرأس والأذنين مسموح بها؟
وقفنا ذات مرة من أجل أمر جيد في هذا العالم. تبنينا الأساس الأخلاقي العالي في مقاومتنا للشر المستشري. أيدنا ذات مرة اتفاقيات جنيف ليس لأننا توقعنا أن يطبقها أعداؤنا في معاملتهم للأسرى الأميركيين، بل لأنها كانت تمثل القانون وكانت صحيحة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل«البيان»
