تزامنت ـ ويا للصدفة ـ تصريحات الجنرالات الأتراك حول خطورة تزايد موجة التشدد الديني، والأفكار القومية، ومن الضروري للحفاظ على الدولة العلمانية في تركيا إبعاد هذين الشبحين، الأفكار القومية الانفصالية والمقصود بها المجموعات الكردية، والشبح الثاني هي الأفكار الدينية التي تهدد الدولة العلمانية.

ولكون العسكر طوال هذه العقود هم الحارس المقدس لتلك الدولة، تذكرنا بحراسة أبو الهول لمدينة طيبة وأسئلته الحائرة لفك لغز الإنسان. في هذه الفترة كانت العسكرتاريا في تايلند تحرك دباباتها ضد رئيس الحكومة، والذي كان في رحلة دبلوماسية للأمم المتحدة، حيث استقبل الخبر وهو يتابع من بعيد حركة الأسهم والأرصدة الشخصية.

حيث اتهمه الانقلابيون الجدد، بالفساد وبسوء إدارة السلطة، ولهذا جاء الانقلابيون كعادة خطابهم التاريخي بهدف حماية البلاد من التدهور وبأنهم يسعون إلى وحدة البلاد، ولن يبقوا في السلطة إلا لفترة قصيرة حتى يرتبوا الوضع الداخلي ويقوموا بإجراءات وفق الدستور، ولكننا في نهاية المطاف نجدهم، يفصّلون مواد دستورية تناسبهم، تحقق أحلام الجنرالات المتقاعدين، والذين يرون أن رواتبهم التقاعدية لا تجدي نفعا ولا تحقق لهم وضعا وامتيازا اجتماعيا يليق بعدد النجوم التي تنام على أكتافهم.

وان أحلام الثراء في الطبقة الوسطى الجديدة والتكنوقراط، صارت من نصيب المدنيين، أولئك الذين سرقوا ثروة البلاد في وضح النهار، وتعاملوا مع زمن العولمة ونهوض الآسيان المستمر بشكل ديناميكي، وسهلوا للاستثمارات الأجنبية بطريقة تتناسب مع الليبرالية الجديدة، فما عاد المحافظين التقليدين من أثرياء تايلند والمحيطين بدائرة الملك، قادرين على تحديث المملكة السيامية بروح الملكية الدستورية المعاصرة.

ما قام به الانقلابيون لم يجد تجاوبا دوليا ولا إقليميا، فهناك موجة عالمية ترفض إزاحة من تم انتخابهم عبر صناديق الاقتراع، وتوافق الشعب والسلطة على تداولها من خلال العملية البرلمانية والتعددية الحزبية، غير أن تدخل العسكر الانقلابي يعيد القلق إلى منطقة آسيا، التي طلقت الانقلابات منذ عقود، وتحركت نحو الأمام في اتجاه رياح الديمقراطية بما فيها فيتنام وكمبوديا ولاوس، بينما ظلت حكومة ميانمار تعاني عزلتها الدولية نتيجة نظامها العسكري الشمولي.

ما قام به الانقلابيون، لن يحل المشاكل الداخلية لمجرد إزاحة رئيس الحكومة، فهناك تقاليد جديدة واستثمارات أجنبية ضخمة، من دول الجوار والعالم، لا تسمح للبلاد بطريقة يديرها العسكر، حتى وان بدوا انهم متسامحون في سلوكهم الاجتماعي على الطريقة البوذية المتسامحة.

وكما يقال الانقلابات تختمر فكرتها في الثكنات، فإن الأفكار المضادة المعارضة لحكم العسكر تختمر داخل المجتمع المدني، الذي سينتظر بعض الشيء ليرى أين تتحرك كرة الثلج التايلندية في يد العسكر المنتشين بأسلحتهم والمولعين ببيانات تقليدية عن مكافحة الفساد والحفاظ على وحدة البلاد من التدهور والصراع.

مفردات تاريخية سجلها العسكر والجنرالات منذ زمن بونابرت، ولكنهم، بالرغم من تآكل مكانتهم التاريخية، يواصلون لعب دورهم العجوز الخافت وفي الظل، متناسين أن الديمقراطية والعسكرتاريا قطبان متنافران في زمن العولمة، قطبان لا يقبلهما العالم الجديد، خاصة وان الانقلابيين أزاحوا حكومات شرعية بطريقة غير شرعية.

وبذلك يمارسون إرادتهم العسكرية باسم الشعب، ويكرسون سلطتهم ضد الإرادة الشعبية التي اختارت بالانتخاب والتصويت الحر حكومتها. وإذا ما كان الانقلابيون يجدون ضغطا شديدا في الداخل والخارج، فإن محنة الجنرالات ومأزقهم في تركيا انهم يحاولون إرجاع عقارب الزمن في تركيا إلى مرحلة الانقلابات.

في وقت تتوق تركيا إلى الاعتراف بحقها في الدخول كعضو في النادي الأوروبي والذي لا يجد مبررا لمثل تلك التصريحات الغريبة التي تنبثق بين الحين والآخر من أفواه الجنرالات كحارس لبوابة العلمانية في تركيا. وكما قال ذات يوم الناقد الأدبي باشار كمال، أن تركيا بلاد غارقة في المصائب.

وأجواؤنا مفعمة بالتشاؤم المقيت، تلك الأجواء التي تعكس روح العسكر وحلمهم بالعودة للسيطرة الكاملة وبقوة، بعد أن تم تشذيب حدائقهم الخلفية وتقليم أظافرهم الميدانية، فظلوا في ركن قصي وناعم في المجلس القومي الأعلى، والمسؤول عن حماية العلمانية الهشة.

مثل أولئك العسكر كجنرالات يعانون متاهة الخيارات، يتوهمون انهم يحمون كمال اتاتورك الميت في زمن يتحرك نحو عالم جديد ديمقراطي، ويتصورون انهم بترديد اسطوانة حماية العلمانية التركية من التشدد الديني، يمنحهم الكارت بلانش للدخول للنادي الأوروبي، متناسين أن القرارات الفوقية لم تبدل الثياب الروحية للأتراك، حتى وان تخلوا عن الطربوش وصاروا افنديات أوروبيين بالبدلة والسموكنك.

لقد نسى الجنرالات دورهم الطويل في الحرب الباردة، فقد أهملوا تطوير تركيا، وأهملوا تحديثها من العمق، فنمت الحركات الدينية المتشددة، حينما كانوا منشغلين باليسار وبحزب العمال التركي، منشغلين بأدوات القمع العسكرية والأمنية وبناء مؤسسات بوليسية من طراز الذئاب الرمادية.

ما يسعى إليه الجنرالات اليوم هو إيقاف حركة الزمن وصعود التاريخ، ففي الوقت الذي تحاور أسبانيا الباسكيين، وتعيد النظر من اجل تأكيد تلك الحقوق، وفي وقت تؤكد أوروبا الجديدة أحلامها في تكريس حقوق الاقليات كجزء لا يتجزأ من الحقوق الاثنية للشعوب، بما فيها حق الأكراد، والذين يشكلون رقما كبيرا وحيويا في الخارطة السياسية التركية.

مع ذلك تواصل الذهنية العسكرية القديمة لمجموعة من الجنرالات المصابين بلوثة المتاهة في أنقرة، إيصال صوتهم المبحوح، لحكومة اردوغان، لكي تظهر له بأنها ستظل دائما حارس العتبات المقدسة للدولة العلمانية، بل ولن تسمح بتخطي تلك الخطوط الحمراء من أي جهة كانت، في وقت تتزايد الضغوط على الحكومة التركية بضرورة الاعتراف والاعتذار لمذابح الأرمن.

ولا تجد الحكومة التركية حرجا كبيرا في مسألة الاعتذار السياسي، وإنما تدرك أن هناك طبخة أوروبية في اتجاه تصعيد المسألة نحو التعويض المالي وبحق تقرير مصير الأرمن في بلادهم التي سفكت فيه دماؤهم.

ما تخشاه الدولة التركية بنزعاتها القومية المتشددة، رؤية الاتحاد الأوروبي لتلك النزعة الشوفينية المتعارضة مع الدستور الأوروبي ومع قيم حقوق الإنسان في القارة والعالم. فمن ينقذ جنرالات تركيا من متاهتهم وشيخوختهم بوهم حماية العلمانية !.

كاتب بحريني