في السابق عندما كانت الوزيرة رايس تأتي الى المنطقة، كانت تضع زيارتها تحت عنوان (تحريك عملية السلام) وهو عنوان موروث سبقها اسلافها إلى استخدامه، خلال زياراتهم المكوكية الى العواصم العربية واسرائيل، والذي اصبح مملا لكثرة ما تردد ومن دون اية نتيجة.
ومن عودة سريعة الى شريط تلك الجولات التي حفلت بالمقترحات والافكار والمشاريع والخرائط يتضح انها في ضوء نتائجها لم تخرج عن اطار ادارة الازمة. الحديث عن حلها كان للاستهلاك فقط كان المقصود الايحاء بأن الادارات الاميركية لم تسقط اهتمامها بالمشكلة في حين كان الهدف شراء الوقت لا اكثر.
اليوم تأتي الوزيرة وعلى رأس جدول اعمالها السعي لصياغة (جبهة المعتدلين) في المنطقة ومن ثم اعادة اطلاق عملية السلام بصيغة جديدة. الاولويات تغيرت، التعليل كما جاء ان اقامة مثل هذه الجبهة، ضرورية لمواجهة قوى التطرف في المنطقة يعني ذلك ان التركيز على الفرز في هذه اللحظة، هو شريط مسبق الالتفات بعده الى الملفات الساخنة ومنها عملية السلام.
لا جدال في ان الاعتدال مطلوب في المنطقة فهي عانت ولاتزال من التطرف كفكر وكحركات وليس هناك متضرر منه ومن تداعياته وثقافته، اكثر منها، كما لاشك في ان تعزيز وتدعيم خندق المعتدلين هو حاجة ضاغطة باعتباره الضمانة لوقف التدهور وترجيح كفة العقلانية في مواجهة الملفات والمخاطر والتحديات القائمة.
فذلك من المسلمات، لكن ايضا من المسلمات الا يتم وضع العربة امام الحصان فالتطرف في المنطقة له مسبباته وهذه ليست خفية على احد الا لمن اراد حجب الشمس بالغربال.
السياسة الاميركية في المنطقة وبالتحديد تجاه القضية الفلسطينية هي احد ابرز الاسباب، الانحياز المطلق لاسرائيل هو المحور والمولد الاساسي للمآخذ والرفض والقائمة طويلة في هذا الخصوص تبدأ في الدعم التقليدي الكاسح، العسكري والمالي، وتنتهي في الحماية الدبلوماسية اللامحدودة حتى في الحالات التي يكون فيها العدوان الاسرائيلي فاقعا ومتضاربا مع القرارات الدولية كما مع ابسط الاعراف.
بل اكثر اذ ان هذه الحماية تمتد الى منح اسرائيل المظلة الواقية التي توفر لها الفرصة والوقت الكافيين ولو من خلال تعطيل الآليات الدولية من اجل مواصلة عدوانها كما حصل مؤخرا في حربها على لبنان.
في هذه السياسة تكمن بذور تخصيب التربة للتطرف او على الاقل هي تساعد التطرف وتقدم له التسويغ والمدخل الملائم. عليها تستند لغة الترويج لخطابه وممارساته واذا كانت البداية تكمن هنا فإنه من الطبيعي والمنطقي ان تبدأ المعالجة به.
اليوم تمر القضية الفلسطينية في ظروف فاصلة فهي ملتهبة اكثر من اي وقت مضى.
وللاسف ان الوضع الفلسطيني الداخلي نفسه بات معطوبا بدرجة مأساوية وعلى نحو غير مسبوق وبالتالي فإن تقديم اولويات اخرى عليه، مهما كان لها من الجدارة، لا يخدم قضية السلام والاستقرار في المنطقة كما بالطبع لا يخدم قضية الاعتدال ليتصدى بفعالية للتطرف.
معروف ان للولايات المتحدة همومها الاخرى في المنطقة خاصة في العراق وايران لكن تبقى القضية الفلسطينية الاصل، الاقدم والاخطر وبالتالي الاولى اذا ما كانت واشنطن راغبة فعلا في طي هذا الملف ومتفرعاته اما الزعم بأن التصدي له يتم من باب محاربة التطرف اولا فهو ليس اقل من ذر للرماد في العيون.