مع أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس علي عبدالله صالح عن استحقاقات المستقبل فإن حديثه مساء أمس في اللقاء الرمضاني الذي جمع ممثلين عن مختلف قطاعات المجتمع قد اكتسب أهمية إضافية لكونه قد وضع الجميع أمام المتطلبات الحقيقية التي يقتضيها الانتقال إلى المستقبل، وكذا الأولويات الواجب الاعتناء بها.

ليس من قبل أجهزة الدولة وحسب وإنما من مختلف شرائح المجتمع التي لاشك وأنها تشكل المعادلة الأساسية والرئيسية، والمحرك الفعلي لبلوغ هذا الهدف.حيث وقد أراد الأخ الرئيس بذلك الحديث أن يؤكد على أن اليمن مقبلة على مرحلة جديدة ستتركز فيها الجهود على البناء المنهجي والمؤسسي والخطط الاستراتيجية التي تفتح أمام الوطن آفاقاً رحبة لتحقيق المزيد من الرقي والتطور، وإبراز مكانته وحضوره المشرف على النطاقين الإقليمي والدولي وبلوغ درجة عالية من التقدم تستوعب مجمل طموحات وتطلعات أبنائه.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الأخ الرئيس وهو يتحدث عن ملامح المرحلة الجديدة قد حرص على أن يضع النقاط على الحروف. ليجعل كل من في السلطة أو خارجها في صورة تلك الملامح مشفوعة بوعود قطعها على نفسه، وتعهد بتحويلها إلى أفعال مترجمة على أرض الواقع، وذلك ما نثق فيه.

فقد عهدنا الأخ الرئيس صادقاً في عهوده ووعوده.ولو لم يكن الأمر كذلك لفضل حصر حديثه عما تحقق على يديه من الإنجازات والمكاسب التي فاق حجمها توقعات الكثير ممن يعرفون قدرات اليمن المتواضعة، وهو ما كشف عن السمات النبيلة والوطنية التي يتميز بها الرجل الذي اعتمد فلسفة في الحكم تقوم على قاعدة الإيثار ونكران الذات، ليقدم بذلك القدوة والمثل الأعلى في البذل والعطاء من أجل الوطن.

وباستشراف هذه المحددات يصبح من الواضح أن حركة التحديث والتجديد في هذه المرحلة ستعتمد على فكر يستقي ثقافته من طبيعة الإدراك العميق لحقائق العصر، وفهم معطياتها والحركية التي تعتمد عليها.أكان ذلك في جوانبها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، بما يستلزمه ذلك من تفاعل أفراد المجتمع مع جهود الدولة وبرامجها الإنمائية وصولاً إلى تأسيس وخلق شراكة بناءة وجادة تفضي إلى تسريع الإنجاز وتكريس وحدة الإرادة في مواجهة المصاعب التي قد تظهر في طريق هذا التوجه.

ولا غنى لنا عن مثل هذه الإرادة لمجابهة الاختلالات الموروثة التي تراكمت في السنوات الماضية بفعل بعض العوامل التي طرأت على واقع حياتنا في فترات كان التركيز فيها على قضايا جوهرية يتصدرها الحفاظ على وحدة الوطن وحماية أمن واستقرار المجتمع، ولا يخفى على أحد أن مثل هذه الاختلالات لم تكن بأي حال من الأحوال من نتاج الفترة التي حكم فيها المؤتمر الشعبي العام بمفرده، بل إنها التي تضخمت في ظل الائتلاف الحكومي الذي جمع في هيئته المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي والتجمع اليمني للإصلاح.

وبالتالي فليس من الواقعية أن يبرئ أولئك الذين يمارسون هواياتهم في التجني على الآخرين أنفسهم من تلك الأخطاء التي كانوا السبب الرئيسي فيها وهو ما تسعى الدولة جاهدة إلى إصلاحه وتقويمه عن طريق مجموعة من الإجراءات الهادفة، ومن ذلك سد الثغرات التي تتسرب منها مظاهر الفساد والاستغلال السلبي للوظيفة العامة، أو الوجاهة، أو غيرها من أنواع الاستغلال الأخرى.

ومن الأهمية الإشارة هنا إلى أننا أمام لحظة تاريخية يجب التقاطها بروح المسؤولية الوطنية، ومن المصلحة لكافة المصفوفة الحزبية والسياسية أن تعمل في اتجاه تكييف رؤاها واتجاهاتها مع ما يتوافق والأهداف التي حددها فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح يوم أمس.. للانتقال إلى المستقبل، خاصة أنه ليس هناك خيار غير خيار الشراكة الوطنية لبناء اليمن الجديد، ولا نظنه إلا خياراً وحيداً سيترتب عليه ضمان حاضرنا ومستقبل أجيالنا.

ونعتقد أنه قد آن الأوان لكي يبدأ الجميع صفحة جديدة تستند إلى التفهم المشترك ومنظومة الثوابت الوطنية والروح الديمقراطية المنفتحة التي لا مجال فيها للرؤى الضيقة والنزق السياسي والتعصب الحزبي والأنانية المفرطة.

فالوطن يتسع لكل أبنائه.. وعليهم أن يتحركوا سوياً لبناء حاضرهم ومستقبلهم بإرادة صادقة ومخلصة تسمو فوق الصغائر.