بالرغم من انه لا يختلف احد من العرب ولا اصدقائهم على امتداد العالم حول حقيقة ان الاشتباكات الفلسطينية تح الفلسطينية، صغيرة كانت او كبيرة، هي خط احمر لا يمكن ان تخدم اية مصلحة فلسطينية، حتى ولو كانت لفصيل او فريق او حركة، الا ان طرح السؤال في حد ذاته هو من قبيل التأكيد على استنكار تلك الممارسات في الشارع الفلسطيني.

لقد اكدت كل الاطراف الفلسطينية ومنذ اشهر، بل سنوات عديدة، على حرمة الدم الفلسطيني وعلى ان البندقية الفلسطينية لا يمكن ان توجه الى الصدر او الجسد الفلسطيني تحت اي ظرف من الظروف.

ومع ذلك تحولت شوارع قطاع غزة بسرعة الى ساحات معارك وحرب بين زملاء النضال وسقط القتلى وعشرات الجرحى لمجرد الرغبة في اثبات الذات او الوجود او ممارسة دور تآكل بشدة ولم يعد احد يستطيع تذكره سوى في التصريحات وتبادل الاتهامات والقاء اللوم هنا وهناك بسبب الاوضاع الجارية في الاراضي الفلسطينية .

واذا كان من غير المفيد إلقاء اللوم او المسؤولية على هذا الفريق او ذاك، خاصة وان المسؤولية لا تقتصر على من استخدموا السلاح والرصاص في مواجهة المتظاهرين، ولكنها تمتد كذلك الى بعض المتظاهرين الذين تورطوا لسبب او لآخر في اشعال حرائق او حرق مكاتب ومؤسسات حكومية لانها ببساطة تعود الى الشعب الفلسطيني الذي يعاني الحصار ولا تعود الى هذه الحركة او تلك .

على اية حال فإنه اذا كان موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس حاسما وواضحا سواء في استنكار ما حدث، او في الدعوة لاجراء تحقيق ومحاكمة المسؤولين عنها، فإنه من الاهمية بمكان الاشارة الى حقيقتين اساسيتين من المهم والضروري التوقف امامهما وهما:

اولا: ان الاحداث المؤسفة التي شهدتها الاراضي الفلسطينية امس الاول لم تحدث فجأة ولكنه جاءت بعد فترة غير قليلة من الانتقادات والاتهامات المتبادلة بين حركتي حماس وفتح وامتدت الى تلميحات غير مباشرة حينا ومباشرة حينا آخر بين الرئاسة الفلسطينية ورئاسة الحكومة وعلى نحو اتسم بالتجاوز في الايام الاخيرة وهو ما كان بمثابة عملية شحن وتصعيد للمشاعر وزيادة للتوتر في الشارع الفلسطيني الذي يعيش حصارا خانقا والذي تعمل اسرائيل بكل السبل من اجل زيادة الضغوط والصعوبات التي يتعرض لها .

وقد ساعد هذا المناخ المتوتر في زيادة حدة المواجهات وانتشارها خاصة بعد نزول القوة الامنية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية الى الشارع للتصدي لمظاهرات بعض رجال الاجهزة الامنية الفلسطينية وهو ما زاد من حجم الخسائر في الارواح والممتلكات .

ثانيا: انه بغض النظر عن نتائج التحقيق وظروفه، فانه من المؤكد ان احتواء ما حدث ووضع حد حاسم لعدم تكراره مرة اخرى مهما كانت الاسباب او الظروف يتطلب ضرورة التعاون بين كل القوى الفلسطينية وفي مقدمتها حركتا فتح وحماس وكذلك الرئاسة ورئاسة الحكومة الفلسطينية وكل القوى والفصائل والشخصيات الفلسطينية المؤثرة وذلك باعتبار ان وقف عمليات المواجهة وإغلاق الطريق امام امكانية تجددها هو امر بالغ الاهمية يمس حاضر ومستقبل الاوضاع في الاراضي الفلسطينية والى مدى بعيد .

واذا كانت الاحداث المؤسفة تشير بوضوح الى ما يمكن ان تؤول اليه الاوضاع في الاراضي الفلسطينية في حالة انفلات الامور تح خاصة وانه من غير المستبعد ان يكون هناك من يلعب على هذه النقطة لحسابات خاصة او محدودة على هذا الجانب او ذاك تح فإنه بات من الضروري ان تتحمل القيادات الفلسطينية مسؤولياتها للحفاظ على هدوء وأمن الشارع الفلسطيني وإيجاد السبل الكفيلة بفك الحصار المضروب حوله حتى يمكن تنفيس الشعور بالاختناق او بالضغط بين الفلسطينيين خاصة في هذه الايام المباركة .

واذا كانت المحادثات والمشاورات الخاصة بتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية قد تعثرت فانه من المهم والضروري اعادة احيائها مرة اخرى كمدخل لاستعادة اللحمة الفلسطينية مرة اخرى والتمهيد لتجاوز ما حدث ودفن الاسباب التي ادت اليه. ولعل مسيرات الاحتجاج ووقف العمل في الدوائر الحكومية الفلسطينية امس احتجاجا على المصادمات والاحداث المؤسفة تعبر عن ادراك فلسطيني لحقيقة خطورة ما حدث والرغبة في تجاوزه . اما اسرائيل المستفيد الاول والاكبر من الاقتتال الفلسطيني فانه ستعمل لتأجيج الاوضاع وهو ما يجب ان يتنبه اليه الفلسطينيون جيدا .