هناك ممارسات اعتدنا عليها، واعتيادنا عليها ليس بالضرورة أمراً صحيحاً، ومن هذه الممارسات ما يحدث في بعض المدارس من مجاملات على أيدي الطلبة وأولياء أمورهم، إذ درج بعضهم على تقديم الهدايا للمعلمين والإداريين في المناسبات العامة.

لك أن تتخيل هذه الهدايا التي تتفاوت في أحجامها وأسعارها وتكلفتها العامة، ولك أن تتخيل الجهد الذي يبذله أولياء الأمور لتكون هدية ابنهم أو ابنتهم الأفضل والأكثر تميزاً، ولك أن تتخيل أيضاً وسط كل هذا الزخم والتنافس حسرة بعض الطلاب الذين لا يستطيعون تقديم أي من تلك الهدايا بسبب أوضاعهم المادية أو بسبب رفض أولياء أمورهم لمثل هذه العادات.

بعض أولياء الأمور يعتبر هذا الأمر واجباً لتقدير المعلم أو الإداري، وبعضهم الآخر يفعله لمجرد تقليد الآخرين وبعد إلحاح ابنه أو ابنته عليه دون أن يكون لديه هدف، وبعضهم يستنكر هذه العادة لكنه لا يملك حولاً ولا قوة لمنعها.

والعاملون في المدارس أيضاً ينقسمون إزاء هذه العادة بين مؤيدين ومرحبين وحاثين عليها، وبين معارضين يطالبون بعدم تقديم أية هدايا للمعلمين أو الإداريين تحت أي مسمى إلا أن تكون هدية معنوية كبطاقة يقدمها الطالب لمعلمه شكراً أو اعتذاراً.

ربما يعتقد بعضهم أننا نثير قضية ليست ذات أهمية كبرى، لكن من ينظر إلى هذه العادة بعمق أكثر يجد أن فيها سلبيات كثيرة ينبغي أن ننأى بمدارسنا وكوادرها وأطفالنا عنها لاعتبارات كثيرة. أول هذه الاعتبارات شرف المهنة الذي يحتم على المعلم أو الإداري القيام بواجبه دون أن ينتظر تقديراً مادياً من الطالب، إذ قد تؤثر هذه الهدية على رأي المعلم أو الإداري في الطالب.

وقد تتسبب في وجود المحاباة لاسيما وكادر المدرسة بشر ليسوا معصومين عن الخطأ أو الزلل. وحسب المعلم أو الإداري أن يشعر بتقدير الطالب المعنوي لما يقدمه، وحسبهما أن يجدا مقابل جهدهما تقدير أولياء الأمور وثنائهم عليهما لما يلمسونه من آثار في أبنائهما.

أما الاعتبار الثاني فهو الفروق الاجتماعية بين الطلاب، فإذا كان أحد الطلاب قادراً على تقديم هدايا بآلاف الدراهم، فربما يعجز آخر عن تقديم هدايا بعشرات الدراهم، وهو أمر يحز في نفس الطالب العاجز، ويجعله يشعر بالنقص بين أقرانه، وعجزه عن مجاملة كادر المدرسة التي يدرس فيها.

أما الاعتبار الثالث والأهم فهو أننا بهذه العادة نعود أبناءنا منذ الصغر على الاستهلاك غير المطلوب، ونعلمهم على مجاملات نعاني منها نحن الكبار ونعجز عن التخلص منها إلا من رحم الله. فلماذا نزرع في أبنائنا هذه العادات منذ الصغر؟ لماذا لا نؤصل في نفوسهم أهمية التقدير المعنوي قبل التقدير المادي؟ ولماذا نعودهم على عدم مراعاة أوضاع الآخرين الذين لا يملكون ما يملكونه ولا يستطيعون القيام بما يقومون به؟

إن توزيع الهدايا المادية وإقامة احتفالات أعياد الميلاد وغيرها التي يبالغ فيها بعضهم عادات سيئة اعتدنا عليها ولابد من التخلص منها نحن الكبار أولاً قبل الصغار، فهؤلاء الصغار يقومون بما نمليه عليهم وننوب عنهم فيه كأولياء أمور، وكموظفين نقبل هدايا ندرك تماماً أنه لا حاجة إليها.لذا فإننا نأمل أن تبادر المدارس بصفتها بيئات تربوية للتخلص من هذه العادات وتنشئة الجيل تنشئة صحيحة تتجاوز مسألة أعراف وعادات.

maysaghadeer@yahoo.com